العودة   وحـي بلقيـس > وحي التاريخ والغناء والموسيقى > وحي العراق بلاد الرافدين > تاريخ وحضارة > وقائع تاريخية
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-24-2011, 04:53 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي ذكريات من الزمن القاسي ( معتقل نقرة السلمان) محمد علي الشبيبي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأحد 18 صفر 1432

بعد تجولي في قسم الصور
عادت بي الذكرى لمذكرات كان كاتبها احد نزلاء هذا المعتقل الشهير { نقرة السلمان } حبيت اجيب لكم موضوع مذكرات كاتبها الشبيبي مع مرفق صور تاريخية من داخل المعتقل ايام لا تنسى في ذاكرة العراقيين منهم من مات ومنهم من ينتظر نحبه

ببسم الله نبدأ معكم






ذكريات الزمن القاسي




- العهد الملكي -












(1)


















محمد علي الشبيبي





محمد علي الشبيبي



المرحوم جدي الشيخ محمد الشبيبي عضو مجلس السلم
العراقي ووالد الشهيد حسين الشبيبي (صارم) عضو
المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي


بعد ان انهيت امتحانات البكالورية للصف السادس الابتدائي صيف 1958، كما انتهى الجميع من امتحاناتهم اعددنا السفر لمغادرة كربلاء الى النجف، حيث اعتادت العائلة في كل عطلة صيفية السفر الى النجف والبقاء هناك في بيت جدي الشيخ محمد الشبيبي. كانت فرحتنا نحن الصغار مضاعفة، فقد انتهينا من الجو المدرسي وما يتطلبه من تحضير وواجبات مدرسية مرهقة تكاد تكون سببا في تهرب الكثيرين من المدارس، كذلك سنلتقي باقارب العائلة من الخالات والعمات وابناؤهن، وسنتمتع وخاصة انا بحب وحنان جدي شيخ محمد. كان رحمه الله يكن لي حبا خاصا و يدعوني بتحبب فيصغر كلمة جدو ويناديني بتحبب (جديدو). السفر الى النجف كل عطلة صيفية او شتوية كانت من عادة العائلة، حتى عندما كنا نسكن مدينة الناصرية والتي تبعد اكثر من 300 كلم عن النجف، وعندما انتقلنا من الناصرية الى كربلاء صيف 1956 أصبحت زيارات العائلة للنجف حتى في ايام العطل الاسبوعية.
في النجف يوميا صباحا كنت ارافق جدي الشيخ للسوق، بعد ان يفطر ويشرب قهوته العربية التي تقوم باعدادها عمتي وسيلة رحمها الله. اسير معه في أزقة النجف الضيقة بدءً من بيته في محلة العمارة عبر ازقة محلة العمارة ومن ثم عبر السوق الصغير وحتى السوق الكبير واحيانا يصل الى مقهى عبد ننه في باب الولاية. يسير ببطء وقد بان عليه الكبر وارهقته متاعب الحياة وشارف على نهاية العقد الثامن من عمره، وهو يستعين في سيره بعصا يتكأ عليها ذات مقبض نصف دائري من الكهرب الأصفر. يوقفه البعض من حين الى اخر يحيوه ويسألوه عن صحته وعن اخر الاخبار والمستجدات، يحاول البعض تقبيل يده فيسحبها بشدة رافضا، وانا اقف بقربه معجبا بكثرة معارفه ومحبيه واشعر بالفخر لذلك.
خلال حركة جدي اليومية والرتيبة من البيت الى السوق الكبير، يضطر فيها للتوقف للاستراحة وتبادل الاحاديث مع بعض اصحاب المحلات من الأصدقاء في السوق الصغير وكذلك في السوق الكبير. عندما يسأله احدهم عني يجيبهم بفصاحته الخطابية ذات النغمة الحسينية هذا هو محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن الشيخ شبيب. رحلته اليوميه هذه ذهابا وايابا تستغرق ثلاث ساعات، يعود بعدها للبيت متعبا فيستريح في سرداب (1) الضيوف المخصص للرجال وهو احد اكبر ثلاثة سراديب في البيت.
تشتهر مدينة النجف عن غيرها من المدن العراقية بسراديبها العميقة والمؤثثة لتكون صالحة لاستقبال الضيوف خاصة وقت الظهيرة وما بعدها حيث يشتد الحر فتكون هي الملاذ للنجفيين من شدة الحر صيفا. اضافة لهذه السراديب، تحتوي البيوت النجفية القديمة على سراديب اعمق من السرداب العادي، حيث يتجاوز عمقه 15م، ويدعى سرداب السن. وسرداب السن غير صالح للسكن لشدة رطوبته وإنخفاض درجة الحرارة في جوه ويستعمل لخزن الفاكهة وخاصة الرقي والبطيخ. تحتوي سراديب السن في النجف على ابار وأقنية مرتبطة ببعضها، حيث يمكن التنقل من بيت لبيت ومن محلة لمحلة من خلال هذه الاقنية، ويقال ان ثوار ثورة العشرين استغلوا تلك الاقنية لمهاجمة الانكليز وهم في مقراتهم في البيوت النجفية. كما أن سرداب الضيوف المخصص للرجال يرتبط بسرداب النساء بواسطة السرداب الصغير. في ارضية السرداب الصغير يوجد شباك يطل على البئر الموجود في سرداب السن، ويسمح هذا الشباك لضوء النهار بالوصول الى سرداب السن. ويكون النزول الى سرداب السن عبر درج من سرداب النساء. اما النزول لسرداب الضيوف يكون من الممر ( المجاز) من دون المرور بالحوش ويخصص هذا الدرج للضيوف ، ويوجد درج اخر للسرداب من الحوش ويمر بجانب المطبخ ويستعمل للعائلة، ومن خلال هذا الدرج تقدم الخدمات لجدي وضيوفه في السرداب. وهناك درج ثالث من الحوش ايضا يؤدي الى سرداب النساء. وتوفر السراديب لنا نحن الاطفال مكانا للعب واللهو بعيدا عن الازقة التي تكثر فيها حركة الناس من المارّة.
كنا نحن الاطفال نفرح كثيرا عندما يرسل جدي ما يتسوقه للبيت من رقي وبطيخ وفاكهة وخضروات محملة على دابة، وكان من عادة جدي ان يشتري كمية كبيرة من الرقي والبطيخ بكل انواعهما تكف لأيام، وعندما تصل الحمولة للبيت نكلف نحن الصغار بنقل الرقي والبطيخ لسرداب السن، وكنا نتعمد بإسقاط بعض الرقي من ايدينا ليتهشم وننتظر كلمات اللوم والنقد من الكبار لعدم اهتمامنا ثم يعرضون علينا تناول ما تم تهشيمه.
اهتم المعماريون النجفيون في هندسة السراديب لكي تؤدي وظيفتها الجمالية والخدمية بشكل جيد. كما لم ينس المعماري ( البادكيرات ) عند بناء السرداب. والبادكيرات عبارة عن تجويف متواصل في جدار السرداب، يخترق الجدار من الأسفل وحتى نهاية الطابق العلوي للبناء، تكون فتحته السفلى على ارتفاع (1,25)م من أرضية السرداب بعرض متر اواكثر وسمك يزيد عن 10سم ويمتد هذا الفراغ مخترقا البناء الى مافوق الطابق العلوي لتكون فتحته العلوية محمية من الأمطار. تؤدي البادكيرات مهمة تهوية السرداب والتقليل من تأثيرات الرطوبة في السرداب. الانارة في السراديب هي الاخرى أيضا من اهتمامات المعماري، فمعظم السراديب لها شبابيك لايصال الضوء لإنارة السرداب، كما انها تساعد في دورة الهواء.
يتوسط سرداب الضيوف عمودان ضخمان من الطابوق الاصفر قطر الواحد منها يزيد على 60سم، ورغم ضخامة العمودان فانهما يضفيان على جو السرداب جمالا فنيا يخيل لك انهما نخلتان باسقتان في وسط ذلك السرداب، فزخرفة السقف بالطابوق الاصفر بشكل محدب والتحامه بالاعمده يخيل لك كسعف متشابك لنخلتين باسقتين.
كانت عمتي وامي تقومان يوميا بتنظيف السرداب ورشه بالماء المخلوط بالاسفنيك (مادة سائلة ذات رائحة زكية) فتنتشر رائحة عبقه تتميز بها سراديب النجف، ولم تنس عمتي ان تملأ الجرار الفخارية ( الشراب) بالماء وتضعها تحت فتحة البادكير لكي يبرد الماء متأثرا بدورة الهواء وعملية التبخر الناتجه عن ذلك. واحيانا نكلف نحن الصغار بفرش الافرشة والمساعدة في عملية ترتيبها، بعد ان نأخذ قسطا من اللعب والمزاح والعراك بالمخاديد والفراش، وكم مرة نضطر الى ترتيب الافرشة بسبب مانحدثه من تخريب في ترتيبها.
بعد عودة جدي ظهرا الى البيت، يكون قد اتعبه المسير وكثرة التوقف بالطريق للرد على تحية المحبين والإجابة على تساؤلاتهم واستفساراتهم عن اخر الاخبار. حيث كان بيت الشيخ مصدرا لتناقل الاخبار ويلتقي فيه الكثير من نشطاء الحزب الشيوعي والاصدقاء من وطنيين وديمقراطيين، لذلك يتعرض البيت في احيانا كثيرة وبشكل مفاجئ الى حملات من المداهمات والتفتيش، من قبل اجهزة امن الحكم الملكي. كنا نعرف بوصوله من سعاله المعتاد عند مدخل ممر البيت وهي سعلة مفتعله على الأرجح ليُعلِم من في البيت بوصوله. تستقبله عمتي وسيلة رحمها الله وتساعده بخلع عباءته وتتناول منه مايحمله من مشتريات ومن ثم مساعدته في نزع جبته وتبديل ملابسه. بعد ان يغير جدي ملابسه ويرتدي قميص البيت الأبيض والواسع بشكل مبالغ فيه، مبررا ذلك بأن سعة الثوب (القميص) تساعده على تهوية جسمه وتحميه من حرارة الصيف حتى أنه يترك أزرار قميصه مفتوحة. يجتمع الكل في السرداب، جدي ووالدي والضيوف إن وجدوا ويتبادل الجميع الأخبار، كان جدي يستمع للأخبار والأحاديث وهو ممدد على فراشه، مستعينا بمخدة خاصة يستعملها للإتكاء. يحتل فراشه احد جوانب السرداب ويكون بمحاذاة البادكير لكي يتمتع بدورة الهواء المنعش. يستسلم الجميع للقيلولة بعد تناول الغداء و فاكهة الصيف من رقي الرحبة المفضل بالنسبة لجدي، حيث كان يحب تناول رقي الرحبة بإضافة ماء الورد والسكر اليه، مما يجعلنا نحن الاطفال نتخاصم فيما بيننا على تناول بقايا رقيته.
بعد القيلولة يصعد الجميع للطابق الأرضي، واذا كان الحر شديدا يلجأ جدي الى الإستحمام بماء الحب (أواني من الفخار يزيد حجمها عن 500 لتر لخزن وتبريد الماء الخاص بالشرب)، حيث يوجد في البيت مكانا خاصا ومعزولا يحتوي على مجموعة من الأحبوب. وبعد الاستحمام يأخذ مكانه المعتاد في الطارمة ( تسمى طارمة لأنها من ضمن الحوش ولكنها مسقفة) المطلة على الحوش بجانب المجاز (الممر)، والطارمة مرتفعة عن الحوش بـ 40 سم، وبذلك يكون الجلوس على حافتها كالجلوس على كرسي، حينها يتناول الشاي والأركيلة، ويراقب حركة الاطفال وهم يلعبون ويمرحون في وسط الحوش، ويتندر معهم.
إذا لم يكن جدي مرتبطا باي مجلس حسيني يبقى في البيت ولايغادره، فيؤدي صلاته في البيت، فتكون صلاة العصر في الحوش أما صلاة المغرب والعشاء فيؤديها في السطح صيفا، وفي البراني شتاء. كنت اسمع صلاته وهو يتلو آيات كريمة وادعية فأحس برهبة وصدق دعواته. من قوة إيمانه وصدقه كان يرفض أن يُعَلِم جبينه كدليل على جدية العبادة وكثرة السجود، كما يفعل بعض المنافقين من المتدينين، وكان يعلق ويقول وقد صرح بذلك في احد مجالسه الحسينية: اصلي منذ كان عمري ثمانية سنوات فلم تترك التربة أثرا على جبيني أما هؤلاء الذين طبعوا جبينهم ببقعة سمراء غامقة فهم يحاولون إقناع البسطاء كونهم من المؤمنين الملتزمين حتى يسهل لهم خداع الناس بإيمانهم الكاذب، ولكن الله سبحانه وتعالى يعرف من هو المؤمن ومن هو المنافق!! يقضي مساءه في السطح حتى انه يستقبل زواره هناك ويحب تناول عشاءه على ضوء القمر من دون الإستعانة بالمصابيح الكهربائية.
لم تكن زياراتنا للنجف في الشتاء كثيرة بسبب قصر العطلة الشتوية، وتكون الزيارة قصيرة وفي الحالات الإضطرارية، كالمرض. كان جدي يستقبل ضيوفه شتاءً في (البراني)، والبراني مصطلح يطلقة النجفيون على صالة الضيوف الخاصة للرجال فقط ، وسميت بالبراني لأن الوصول اليها لايمر عبر البيت حيث تجتمع النسوة. والبراني في البيت يقع في الطابق الأول، والوصول إليه يكون عبر المجاز (الممر الفاصل بين الباب الخارجي والبيت) مباشرة من دون المرور بالحوش، حيث يواجه الباب الخارجي الدرج المؤدي الى البراني. يجلس في الزاوية التي تقابل الباب الرئيسي للبراني، حيث يكون في مواجهة ضيوفه حال صعودهم للطابق العلوي. والزاوية التي يحتلها تطل على زقاقين متقاطعين، والشرفة ( الاُرسي ) الخارجة قليلا عن البراني تسمح له أن يرى ويعرف من هو الضيف بمجرد طرقه على الباب. يجلس في الشتاء وهو يحيط جسمه بفروة صفراء مطرزة بعناية مصنوعة من جلد الخراف. وامامه (منقلة) فيها من الجمر الضروري للتدفئة ولحفظ سخونة دلال القهوة وهي معمرة بالقهوة العربية، ومن حين لاخر تراه ينقل الجمرات ليحافظ على توهجها. لايشتري جدي القهوة جاهزة، فهو يشتريها ويحمصها ويطحنها في البيت، وتقوم عمتي وسيلة يرحمها الله بطبخها وتهيئتها. وكان ضيوفه من المعممين المتفتحين والمثقفين وحتى من الشباب.
يخرج جدي مساءً عندما يكون مرتبطا بأحد المجالس الحسينية، فيتهيأ في إرتداء جبته ويعيد لف عمامته، وكنت اراقبه بإنبهار وهو يلف عمامته بإهتمام ودقة مستعينا بركبته، وكانت عمتي وسيلة تقف بجانبه تساعده في إرتداء ملابسه. حينها كنت أخرج وأقف عند باب البيت أنتظر واسطة نقله للمجلس وهي عبارة عن دابة (حمار) لعدم إمكانية وصول السيارة بسبب ضيق ازقة محلة العمارة، وهذه صفة تتصف بها كل شوارع النجف القديمة.

يتبع
1 ـ السرداب بناء تحت الطابق الأرضي، تتميز به مدينة النجف، ويكون بعمق يصل الى 10م ويزيد أحيانا عن ذلك
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shbibi.jpg‏ (11.0 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-24-2011, 04:57 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي


ذكريات الزمن القاسي

العهد الملكي

(2)

محمد علي الشبيبي



الأخ الأصغر للشهيد حسين الشبيبي الشهيد حسين محمد الشبيبي بريشة الفنان
(محمد علي) رفيق اطيمش
كانت مجالس جدي الحسينية عبارة عن إلقاء الوعظ والارشاد والنصائح الدينية ويحث فيها على النضال ضد الظلم والشهادة من اجل العقيدة الخيرة ويستشهد بالامام الحسين (ع) بمقارعته لظلم بني امية وشهادته من أجل الحق. كان يرى في مهمة قارئ المنبر الحسيني التثقيف ونشر الوعي السياسي والديني المتفتح والإبتعاد عن الطائفية واللعب بعواطف ومشاعر الجمهور وتوجيه هذه المشاعر للوقوف والتصدي للظلم الإجتماعي. فمثلا عندما يذكر مواقف السيدة زينب، يتحدث عن امكانياتها في الحوار ومعنوياتها العالية في مجابهة الخصوم، وكيف كانت تشجع المقاتلين وترفع من معنويات الجرحى، وكيف كانت بمثابة الاعلامية لفضح بني امية، ويرفض اسلوب الاخرين الذين يصورون زينب وهي تبكي اخاها ويقولوها اشعارا وكلاما لايتناسب وشجاعتها وجرأتها وكل مايقولونه الهدف منه ان يتعاطف المستمع معها ومن ثم البكاء عليها وكأن الهدف من إعادة رواية المقتل هي تجديد البكاء ولطم الصدور، وليس الهدف نشر الوعي السياسي الوطني والاجتماعي، للوقوف ضد النظم الإستبدادية بصلابة كصلابة الحسين (ع). وكان ينتقد القوى الدينية التي تقف موقف المتفرج من الظلم الذي يسود الواقع العراقي، او التي تبرر مايحصل من اضطهاد للكادحين من قبل ارباب العمل او للفلاحين من قبل الاقطاع، بحجة ان مايحصل من ظلم هو من مشيئة الله، وكان يشرح خلال مجالسه كيف ان الظلم لايمكن الاستكانة اليه وترك المستبد في استبداده، وانما يجب مقاومته كما فعل الحسين.
كانت مجالسه عامره بالناس وهذا ماكان يضايق مسؤولي السلطة الملكية في المدينة وكثيرا ماكانت سلطة العهد الملكي تقوم بإعتقاله او التحقيق معه بعد كل مجلس حسيني، حتى ان القوى الرجعية من المؤسسة الدينية في النجف كانت تغتاض من مجالسه وحاربته حتى في رزقه، وأشاعت بلا خجل كذبة تقول بأن الشيخ لايبكي الامام الحسين (ع) وانما يبكي على ابنه حسين (صارم) عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، الذي اعدم مع فهد مؤسس الحزب. ولما سمع ذلك رد على هذا السخف من على المنبر: إنه ارتقى المنبر الحسيني وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وسمى ابنه هذا حسينا حبا بالحسين وإستذكار الحسين وانه لفخور ان يكون ابنه شهيدا.... وفقا لما كان يردد.


وان الالى بالطف من آل هاشم

تأسوا فسنوا للكرام التأسية

لم يكن رحمه ألله خطيب منبر حسيني وحسب، بل كان وجها اجتماعيا شعبيا في مدينة النجف، احبه النجفيون وكانوا روادا صادقين ومتحمسين لمجالسه الحسينية، لما يتناوله فيها من نقد ايجابي لسلبيات الحياة العامة بأسلوب بسيط وجذاب. وكان يتفاخر علنا بعضويته ونشاطه في مجلس السلم لمدينة النجف، ويتحدث علنا عن طبيعة حركة انصار السلام العراقية ومساهمتها في توطيد السلم العالمي، وكان بذلك يغيض القوى الرجعية والحكومية والتي لم تتورع لإعتقاله.
تعرض رحمه الله رغم كبر سنه للاعتقال اكثر من مرة، ومنع عدة مرات من ممارسة عمله كخطيب حسيني، كما منع من السفر الى الأهواز لحظور مجالسه الحسينيه هناك وتم ذلك بالتنسيق مع حكومة الشاه. واتذكر اخر مرة تعرض فيها للأعتقال كانت عام 1954 حيث كان هو والشهيد الدكتور خليل جميل (1) مرشحان للانتخابات النيابية ومسنودين من جماهير الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية. وبسبب شعبية جدي الواسعه وتخوف سلطة العهد الملكي من فوزه قامت سلطات امن النجف باعتقاله وارساله مخفورا الى كربلاء، ليبق في معتقل موقف شرطة كربلاء لمدة اكثر من اسبوعين رغم كبر سنه وهو في عقده الثامن. كانت هذه ديمقراطية العهد الملكي التي يتبجح بها البعض، حيث يعتقل المرشح لارهاب جماهيره وتحييدها قدر المستطاع، اضافة لعمليات التزوير وشراء الاصوات.

أقمت انا وعمتي وسيلة رحمها الله في كربلاء في بيت اقارب امي، لكي يتسنى لنا زيارة جدي وتوفير الطعام له، ولم تخلُ زياراتنا له من مشادات ومحاولات منع من قبل مسؤولي الامن لزيارته وتوفير ما يحتاجه من غذاء وادوية. حدثت ملابسات مقصودة في تلك الانتخابات للاسف لا اتذكرها، ادت الى خسارة جدي، حيث اطلق سراحه بعد انتهاء العملية الانتخابية بعدة ايام واستقبل بالنجف استقبالا حارا من قبل اهالي النجف بالرغم من مضايقات الامن للمواطنين.

في تموز 1958 تدهورت صحة جدي ولم يعد قادرا على الخروج، وأزدادت صحته سوءا بحيث لم يقدر على تأدية صلاته إلاجلوسا، وزدنا قلقا عندما نصحنا الاطباء بعدم زيادة انهاكه ونقله للمستشفى، لعدم جدوى ذلك. كان الدكتور خليل جميل الكادر الشيوعي هو طبيب وصديق العائله، و يزورنا ويقوم بفحص الجميع بمن فيهم جدي. عندما تدهورت صحته جاء مع الدكتور خليل طبيب اخر وقرر الاثنان بان لافائده من المستشفى، حيث ازرقت اظافر أصابعه وبدأ يهذي في كلامه. ولم يعد قادرا على تأدية صلاته، فيجلس بمساعدة من في البيت بإتجاه القبلة ويؤديها وهو منهك القوى وغير قادر على التركيز. كان دائما أثناء الصلاة يدعو الله ان يطيل في عمره ليرى نهاية للحكم الملكي، وان يرى الشعب قد إقتص من جبابرة النظام الملكي امثال نوري السعيد وعبد الإله.

صبيحة يوم 14 تموز 1958 هتف اخي الاكبر كفاح وهو يستمع للمذياع : انها ثورة، سقط النظام الملكي واعلنت الجمهورية!!. توجه اخي مسرعا الى جدي قبل الاخرين ليبشره بهذا الخبر السعيد الذي كان جدي ينتظره، وكان مستلقي في فراشه ويهذي، وبشره أخي بالخبرالذي طالما تمناه. وما ان استمع للمفاجأة وكان المذياع باعلى صوته يذيع البيان الاول، حتى تفاجأ الجميع بقدرته على الجلوس بدون مساعدة ويصفق بحرارة ويهتف : الان تحقق حلمي وحلم حسين!!. تحسنت صحته فجأة الى درجه انه طلب منا ان يخرج في اليوم الثاني بعد الظهر الى ساحة الميدان في باب الولاية ليلتقي بالناس في مقهى عبد ننه، لان البيت لم يعد يكفي لاستقبال المهنئين. وما زلت اتذكر يوم طرق ساعي البريد الباب وخرجت لفتحها، ليناولني مجموعة من بطاقات التهنئة الموجهة الى جدي من مختلف المدن العراقية بمناسبة نجاح ثورة تموز، وكانت بينها بطاقة فيها صورة لجثمان نوري السعيد تحيط به جماهير الشعب الهائج، وقد كتب خلفها بيت الشعر التالي لعمي الشهيد حسين :


سنهدم أركان ما شيدوا فلا

العبد يبقى ولا المُـعْبدُ

تحسنت صحة جدي كثيرا بعد الثورة واعلان الجمهورية، خاصة ان الثورة فتحت ابواب السجون واطلق سراح كل السجناء السياسيين، بمن فيهم ابنه الاصغر محمد علي، الذي حكم عليه بعشرة سنوات، ولم يراه جدي منذ اختفائه قبل ان يلقى القبض عليه ويحكم ، حتى حل يوم النصر والتقى بأبنه بعد اكثر من 12 سنة من الفراق. عندما قامت ثورة 14 تموز، كان عمي محمد علي مبعدا في مدينة بدرة التابعة للواء (محافظة) الكوت، حيث انهى عشرة سنوات في السجن واكثر من سنتين من الابعاد في بدرة، وكانت هذه المدينة مركزا لإبعاد الشيوعيين بعد إنهاء محكومياتهم إمعانا في الضغط عليهم لكسر معنوياتهم والحد من ممارسة نشاطاتهم السياسية، وهي سياسة كان يمارسها النظام الملكي. وقد ساعدت هذه السياسة الحزب الشيوعي من بناء منظمة قوية في مدينة الكوت. انهى عمي محكوميته، التي قضاها في مختلف سجون العراق، وعانى إسوة برفاقه السجناء الشيوعيين، من الممارسات القمعية لمديرية السجون العراقية، بما في ذلك مجازرها في سجون بغداد والكوت، وبسبب ذلك خرج من السجن، بعد اكثر من عشرة سنوات، وهو يعاني من مرض رئوي عضال مع كسور في عظام القفص الصدري، ومن يراه يخيل له ان عمره قد جاوز الخمسين بينما كان عمره لايتجاوز 37 عاما. زرت عمي لأول مرة في سجن بغداد المركزي، سنة 1955، بصحبة عمتي وسيلة بعد ان وفر لها الشيخ العلامة محمد رضا الشبيبي موافقة لزيارة أخيها.

ما زلت أتذكر ذلك الصباح، يوم استيقظت على صوت خالتي حياة وأنا مازلت نائما في بيت جدي لأمي، وهي تناديني بصوت مزيج من الفرح والعجلة وتطلب مني النهوض لوصول عمي محمدعلي. كنا نتوقع وصوله بعد ان صدر قرار ثورة تموز بالافراج عن كل السجناء السياسيين. نهضت ونزلت مسرعا وتوجهت الى بيت جدي الشيخ محمد الذي لايبعد سوى بضعة أمتار. كان البيت مكتظا بالزوار والمهنئين وكانت فرحة النساء طاغية على الجو فكن يتسابقن في زغاريدهن وتبادل التهاني، وكانت الحلوى تتساقط كالمطر على الجالسين. ووجدت صعوبة في إختراق المحتشدين حول عمي . ولم أتمكن من التعرف على عمي من بين الجالسين وتوجهت لأحد الجالسين في صدر البيت والأقرب لي وحضنته وقبلته بحرارة وبادلني القبل بنفس الحرارة، وقال لي مستدركا: أنا لست عمك أنا صاحب الحكيم (أبو بشرى) وهذا هوعمك! لم أتردد حضنت عمي بأكثر حرارة وانا أسرق النظر لأتمعن في وجهه عَلّيّ أتذكر ملامحه التي إلتقيتها اول وآخر مرة كان فيها في السجن، حينها كان عمري 10 سنوات. تذكرت بعض ملامحه بسمرته الغامقة والشيب الذي ملأ راسه ونحافة جسمه، وكان التعب ظاهرا عليه حتى عندما يتكلم يضطر للتوقف عن الحديث ليأخذ نفسا عميقا. هكذا خرج من سجون الحكم الملكي وهو يعاني من امراض شتى بسبب سوء الظروف الصحية وللاانسانية التي فرضتها سلطات العهد الملكي على الوطنيين من السجناء السياسيين. لم تكتف سلطات العهد الملكي بممارسة المضايقات والتعذيب للسياسيين بل انها كانت تنظم المجازر ضد السجناء الشيوعيين والديمقراطيين، وقد راح ضحية هذه المجازر العشرات، وقد عاش عمي محمد علي احدى هذه المجازر.
اقترفت سلطات الحكم الملكي مجزرتين بحق المناضلين الشيوعيين عام 1953، كانت الاولى في سجن بغداد بأشراف مدير سجن بغداد عبد الجبار أيوب الذي عرف بحقده على كل وطني شريف، وقد نفذ عبد الجبار جريمته يوم 18 حزيران. وراح ضحية هذه المجزرة 7 شهداء وجرح 81 سجينا من مجموع 164 سجين سياسي شيوعي. اما مجزرة الكوت والتي كانت بداياتها عريضة احتجاج قدمها السجناء الشيوعيون، يطالبون فيها بزيادة كمية المواد الغذائية وتحسينها، والكف عن اهانة وتعذيب السجناء، حيث قامت ادارة السجن بتعذيب بهاء الدين نوري وثلاثة من رفاقه. فكان رد السلطات ان اعتبرت الاحتجاج تعدي على النظام الملكي وقررت ارسال محكمة لمحاكمة المحتجين!! ولما رفض السجناء الشيوعيون الانصياع للمحاكمة، قررت ادارة السجن الهجوم على السجناء بأستعمال القوة لإخراجهم، واستعملوا لهذا الهدف المسدسات والبنادق والرشاشات ضد 121 سجينا شيوعيا، وقد قاوم الشيوعيون الشجعان همجية مدير السجن وسجانيه بالهتافات والاناشيد الثورية، وراح ضحية هذه المجزرة عشرة شهداء و 94 جريح (2) وقد وصف الشهيد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) في كراسه (من أعماق السجون) هذه المجازر بصورة مفصلة، ونشر كراسه هذا بإسم مستعار ايام الحكم الملكي، وكنت احتفظ بنسخة من هذا الكراس وفيها اهداء المؤلف (ابو سعيد) لصديق له بولوني.

عاش جدي أفراح ثورة 14 تموز وتحسنت صحته كثيراً، حتى أنه اُختير لرئاسة وفد ديني لزيارة مسلمي الإتحاد السوفياتي والصين الشعبية واللقاء بشعوبها المسلمة وتبادل التجارب معها، كونه رجل دين متحرر وعضو في مجلس السلم العراقي. إعتذر جدي عن هذه المهمة، بسبب سوء حالته الصحية، ورشح صديقه المرحوم الشيخ عبد الكريم الماشطة، ولا اعرف إن كان الشيخ قد سافر لهذه المهمة أم أن إنتكاسة ثورة تموز حالت دون ذلك.

في اب 1959 تسلم والدي برقية من النجف تطلب منه الحضور السريع لتدهور صحة جدي. حيث ساءت صحته وهو على المنبر الحسيني يلقي خطبته بمناسبة أربعينية سيد الشهداء الحسين (ع). سافرت مع والدي في نفس اليوم الى النجف ووجدنا حالته الصحية سيئة جدا، وقد أقترح الأطباء بضرورة نقله إلى بغداد. رافقه والدي في إحدى مستشفيات بغداد، لكن وضعه الصحي تدهور ولم يتمكن الأطباء من علاجه وقد فارق الحياة في المستشفى.

مازلت أتذكر ذلك التشييع المهيب لجدي، حيث توجه الموكب من مدينة بغداد عبر الحلة الى النجف. كان النعش محمولا على سيارة تتبعها مئات السيارات، كان عدد السيارات يتزايد كلما مرًَ الموكب الجنائزي بمدينة من المدن الواقعة في الطريق الى النجف. كانت الجماهير في المدن التي يمر بها الموكب تحيط بالنعش، فتضطر السيارات بالسير ببطئ مخترقة شوارع المدينة. أصطحبني زوج خالتي المرحوم كريم جاسم شعبان معه الى الحلة، بعد ان تأخر وصول النعش، لملاقاة موكب التشييع هناك. وصلنا للحلة مع وصول الموكب. ألاف المشيعين تجمعوا من مختلف المدن العراقية محيطين بالسيارة، حتى أن البعض جاء من المدن الجنوبية حيث صادفت زيارة الاربعين، ليشاركوا في تشييع جنازة والد الشهيد الخالد حسين (صارم).

وقفت أنا وزوج خالتي على الرصيف نتطلع في الجموع الحاشدة، وصوت المكبر يتعالى وسط الجموع وهو يذكِر بمواقف جدي ومواقف آل الشبيبي الوطنية، ويشيد ببطولة وإستشهاد ولده حسين (صارم). لم نتمكن من مشاهدة والدي وعمي محمدعلي بين الجموع لكثرتها. واضطررنا أن نعود مع المشيعين في السيارات. وصل الموكب لمدينة النجف ليلا بعد ان إنطلق من بغداد صباحا. كان والدي قلقا على حال الجثمان وتأخره لهذه الساعات الطويلة في جو حار، وكلما طلب من المشرفين على التشييع بالإسراع خوفا على جثمان والده من حر آب، أجابوه أنه ليس والدك وحدك إنما هو والدنا جميعا، ونحن أيضا حريصون عليه، نحن لانودع إنسانا عاديا، وإنما نودع شيخا رغم تقدمه بالسن كان لايهاب من فضح النظام الملكي، وقدم إبنه شهيدا من أجل الفكر الإنساني. كانت الحشود الجماهيرية في النجف كبيرة، وزاد من هذه الحشود موسم اربعينية الحسين (ع)، حتى أن بعض الردات (الأهازيج) الحسينية، صيغت بحيث تضمنت تأبين جدي وابنه حسين. وأتذكر اهزوجة احد المواكب وكان نصها: ( صاح المشيع صاح، والد حسين الراح، قاهر الأستعمار، ومحرر الأفكار، سلم وعدالة يريد، لشعبنا الجبار) وكانت المواكب ترفع شعارات التعازي للعائلة بفقدانها للشيخ الكبير والد الشهيد. جرت مراسيم زيارة الإمير وصلي على جثمانه من قبل المرحوم العلامة أبو القاسم الخوئي، وتم مواراة جثمانه في وادي السلام في النجف بجانب إبنه الشهيد.

1- خليل جميل طبيب ووجه اجتماعي ووطني من وجوه مدينة النجف وكادرمن كوادر ا لحزب الشيوعي إغتالته عصابة البعث الفاشية في السبعينات من خلال دهسه بسيارة مجهولة، وهي ممارسات إعتادت عليها عصابة البعث في تصفية المعارضين.
2- راجع، العراق- الجزء الثاني- مؤلف المؤرخ الكبير حنا بطاطو ، صفحة 358
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb2.jpg‏ (6.7 كيلوبايت, المشاهدات 0)
نوع الملف: jpg shb1.jpg‏ (8.8 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-24-2011, 05:00 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الأحد 18 صفر 1432
ذكريات الزمن القاسي

(3)

ثورة 14 تموز والانتكاسة

الوالد علي الشبيبي في غرفته بالفندق اثناء ابعاده لقضاء الخالص على اليمين والدي علي الشبيبي وبجانبه عبد
الرزاق محي الدين الوزيرالأسبق سنة 1930

تغيرت الأوضاع في العراق بعد ثورة تموز كثيرا ، فالنشاطات الجماهيريه اليومية كانت تبهرني اضافة للجو العائلي الواضح والمتحمس للثورة وانجازاتها، واثار فيّ ذلك الفضول والرغبة الممزوجة بالتعاطف مع أفراح عائلتي لاستيعاب التطورات الجديدة، وكان اخي همام هو معلمي فيشرح لي بعض المفاهيم والمصطلحات التي كانت غير مفهومة بالنسبة لي واحيانا اسمع بها لاول مرة ويحدثني عن اهمية العمل والنشاط في المجال السياسي والاجتماعي واهمية المنظمات المهنية.

بدأتُ العهد الجمهوري وانا في الصف الاول المتوسط في ثانوية كربلاء للبنين. وكان اول نشاط لي ان رشحت مع صاحب ذياب البارودي في الانتخابات الطلابيه عن الصفوف الاولى في ثانوية كربلاء للبنين ، ممثلين للقوى الديمقراطية، وقد فزنا بأكثرية الاصوات حيث نجح اتحاد الطلبه العام بأكثرية المقاعد الطلابيه وعقد مؤتمره الطلابي الثاني في بغداد، بحضور وفود عالمية وعربية وفي مقدمتها وفد اتحاد الطلاب العالمي.

لصغر سني كانت نشاطاتي محدوده، لاتتعدى المساهمة في تقديم الخدمات في الاحتفالات الجماهيرية. مازلت اتذكر زيارة شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم الى كربلاء بدعوة مشتركه من الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي، حيث اقيم الاحتفال في ساحة مدرسة الحسين الابتدائية، وكانت مهمتي توزيع البارد على الحاضرين، كانت كلمات المديح والشكر لي من قبل بعض الوجوه الاجتماعية لمدينة كربلاء هي غاية السعادة بالنسبة لي. كنت احضر معظم النشاطات الطلابية التي يقيمها اتحادنا الطلابي في النادي.
افراح انتصارات ثورة تموز سرعان ما تكدرت بسبب المؤامرات وتردد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم في التصدي لهذه المؤامرات واعتماده سياسة عفا الله عما سلف. ونشطت الاجهزة الرجعية التي ورثها الحكم الجمهوري من النظام الملكي البائد، وعادت وبتشجيع ورضا الزعيم عبد الكريم قاسم الى محاربة القوى الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي. وكنت نشطا في نقل وتوزيع صحيفة الحزب إتحاد الشعب حيث منعت من التوزيع العلني في كربلاء وفي المحافضات الاخرى، وكان الحزب يجلبها من بغداد ويتم توزيعها بالاعتماد على رفاقه. وكنت انا اكلف احيانا بجلبها من بيت الشهيد كاظم الرماحي (1)، حيث يقوم الشهيد كاظم بتوزيعها على مجموعات، وكنت اذهب لبيته واجلب حصة الطلبة ونقوم بتوزيعها خفية على المشتركين. اضافة الى اني كنت اُكلف من أخي المرحوم همام بإيصال الصحيفة لرفاقه وأصدقائه، وكنت اخفي الصحيفة تحت ملابسي، وكنت فخورا بهذا النشاط والتمرين لي.

كان والدي احد ضحايا حملات الاضطهاد، فأعتقل مع اعضاء الهيئة الادارية السابقة لنقابة المعلمين في كربلاء في 15 حزيران 1961، حيث ترأس والدي فرع النقابة. لم نعرف سببا للاعتقال سوى انه قرارصادر من الحاكم العسكري العام ، أحمد صالح العبدي، اقتضته المصلحة الوطنية !!!! بعد يوم من الاعتقال تم ابعاد اعضاء الهيئة الادارية السابقة وهم، والدي علي الشبيبي، موسى الكرباسي، علي عجام وجليل السهروردي، الى لواء (محافظة) بعقوبة، ووزعوا على الخالص، المقدادية، مندلي وبعقوبة. علق والدي على القرار بأنه تنفيذ ثوري لمقترح قدمه لمؤتمر نقابة المعلمين الاخير، يدعو فيه السلطة والجهات الرسميه بعدم اصدار اوامر بنقل اعضاء الهيئات الاداريه او مرشحي النقابة لأسباب إدارية أوسياسية، لأن ذلك يسبب ارباكا لعملية التدريس ولعمل الهيئة الادارية، كيف والحال بقرار سياسي، ليس فيه اي مبرر غير تصعيد الحملة الرجعية ضد القوى الوطنية والديمقراطية، والتي انجر اليها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.

رافقتُ والدي خلال عطلة صيف 1961 وعشت معه في احد فنادق مدينه الخالص، مستأجرا احدى غرفه وكنت اقوم بغسل ملابسه وطبخ وجبات الطعام في نفس الغرفة وكنت اقوم بالتسوق. وبسبب عدم توفر الخبره والتجربه في شؤون الطبخ والاداره المنزلية، كانت تتكسر احيانا بعض الصحون والكؤوس أثناء الغسيل، مما أثار غضب والدي، فقال: كفى اهمال لقد هجمت بيتي! ضحكت كثيرا، فتساءل مستغربا لماذا الضحك، فقلت له ساخرا: عن اي بيت تتحدث، كلها غرفة بالفندق وقدر واربع صحون وكأسان. ضحك من تعليقي وطلب الانتباه اكثر.

وفي احدى المرات تركت قدر الرز على نار هادئه كعادتي ونزلت للمقهى لأشاهد التلفزيون، ولما عدت شاهدت الدخان يتصاعد من شباك الغرفه، ولحسن حظنا وحظ صاحب الفندق لم تكن النار قوية اوعالية، ولو كانت عالية لألتهمت بناء الفندق بسرعة، لأن السقف كان من الخشب والبردي. اسرع لمساعدتي صاحب محل لصناعة الاحذية كان يراقب الدخان من محله واخمدنا النار من دون ان تسبب اضرارا مادية.

كان الإبعاد يتطلب من الوالد يحضر يوميا مرتيين الى مركز شرطة الخالص ليثبت حضوره وكنت ارافقه يوميا للمركز. في احدى المرات بعث ببرقية لاخي همام هذا نصها (اجلب معك ترانسستورك وترمسك) والعادة كانت تكتب البرقية بإختصار وهذا متعارف عليه، ولكن الرقيب العسكري ومرؤوسيه في الامن احتاروا في فهم البرقيه واعتقدوا انها شفرة حزبية، وتأخرت البرقية يومان وهم يحاولون فك لغزها. اخيرا قرروا دعوة الوالد للتحقيق معه واخذ اعترافاته بما يخص هذه الشفرة. شرح لهم الوالد بما يعني بترانسستورك وهي اختصار لراديوك الترانسستور اما المقصود من ترمسك هو الترمس لحفظ حرارة الماء. لم يقتنعوا بتوضيحات الوالد فأستعانوا بالحاج بريد (للاسف لا أتذكر اسمه)، وهو مدير بريد الخالص وكان انسانا مثقفا ومهذبا ومحبا للنكته فحسم الموضوع لصالح والدي. كانت معاناة الوالد في الخالص اثناء الابعاد كبيرة، فقد ترك عائلة كبيرة معظم افرادها طلبة في المتوسطة والابتدائية ودون المدرسة، وبحاجة لأب يرعاها ويهتم بشؤونها. وقد اثارت هذه المعاناة في نفسه الشجون فكتب قصيدته (حنين) يبثنا فيها شجونه وحنينه، كما انها تعكس مدى ايمانه بمبادئه التي كان متمسكا بها رغم ما تعرض له من فصل واعتقال وتعذيب وسجن وكان مؤمنا بحتمية الانتصار وإصراره في السير في طريق النضال بالرغم من كل ماعاناه من مشاق في طريق النضال الوطني الوعر والطويل.

حَــنـيـن
14/8/1961

مـتى اعـود الـيكـم احباب قلبي وروحي
مـتى تراكـم عـيوني وتستقر جروحي

احـباب قـلبي عـادت عوائد مشجياتُ
هاجت بصدري وثارت من النوى عاصفات

اتـذكـرون عـلـيّـاّ ذاك الصبور المعّنـى
باهـلـه وبــنـيـه وشعـبـه يتغنـى

عَـدت عليه الـعوادي وابعدته صروفُ
وصـيـرته غـريـبا كما تشاء ظروفُ

قست عـلى كل حــر لم يعرف الذل يوما
مـاحاد عن درب حـق مادسّ في الشهد سما

مـاباع من اجل نـفـع ضميره او تراخى
عـن واجـب وكـفاح فلينصبوها فخاخا

وليشعـلوهـا ضرامـا وليزرعوها جماجم
ولـيجعـلوها جحـيما فاننا سنقاوم

ونـدحر الـبغي دحرا يزري بما ذاق هتلر
مـن انـدحار شـنيع ومن مصير مقـدّر

فـليس اصـلـب مـنا عند الصدام واجسرا
انـّا لــيوث نضـال والليث في الروع يظرا

فـجـر اللـيل طـالا متى تطل عليّــا
مـتى ارى مـنك نـو رَ الحياة يبدو بهيـا

يافـجر انـا سـئمـنا هذا الظلام الرهيب
يافـجر فابـزغ عـلينا انا نراك قريبا

الـم يـقف كـل شعب على الثعالب ثائر
لـم يخشى من هادرات وقاذفات قنابر

وفـي الطـليعة شـعب لينين شاد كيانه
اعـطى الشعوب دروسا بما اعتلى من مكانه

ركـب الشـعوب حثيثا الى الحياة يسير
حـداتـه كـل نـدب لايلتقيه عزورُ

اولـى الحـياة اختبارا وذاق منها الامرّا
مـن اجـل عيش كريم للناس في الارض طرّا

احـباب قـلبي هـذي عواطفي وشجوني
وهبـتـكم كـل حـبي فما اشدّ حنيني

انـي احـن الــيكـم حنين طير سجيني
ضـمآن يـطلب مـاءً واين ماءُ العيون

حـتى مَ احـباب قلبي اظل عنكم بعيـدا
حـتى مَ اشـقى ويبقى اخو النفاق سعيدا

احـباب قـلبي صـبرا سنلتقي ذات يومِ
فـجـر السـلام قريب فاستقبلوه بعزم

وبالمناسبة لابد ان اتحدث ببضعة سطور عن الوالد. ولد الوالد عام 1910 عاش بداية طفولته في سوق الشيوخ وانتقل الى النجف ليكمل فيها الابتدائية وبقية حياته حتى اواخر عقده الرابع. وانجذب الى مجالس النجف الادبية وكان يتردد عليها، وكانت تلك المجالس ندوات ثقافية ومعرفة، وأنبه والده بسبب ولعه بحضور هذه المجالس وعدم ملازمتة لخدمة ضيوفه وهذا التأنيب دفعه فكتب عفو خاطر وهو في سن لا يتجاوز الخامسة عشر وفيها تمرد على رغبة والده في ملازمة البيت وولع في ارتياد المجالس وجاء فيها:
أن المجالس درس اولا فتفسير درس
اولا فاطلاق نفس كانت بضيق وحبس

وسار والدي على خطى والده وانخرط في سلك الروحانيين ولبس العمامة ودرس النحو والمنطق والمعاني والبيان والفقه والاصول على جماعة من اهل العلم، وانتسب الى جمعية الرابطة العلمية الادبية النجفية وكان من نشطائها وانتخب مديرا لها. وفي عام 1935 عين معلما ونزع العمامة (2). وانخرط بالعمل السياسي مع بدايات الحرب العالمية الثانية، وانتمى للحزب الشيوعي العراقي عام 1941 واصبح مسؤولا عن محلية النجف وحضر الكونفرس الحزبي الاول كما حضر المؤتمر الاول للحزب بقيادة الخالد فهد واصبح مرشحا في اللجنة المركزية للحزب (3) قبل ان يترك العمل التنظيمي عام 1949 وكان دائما يكرر ان من لا يستطيع حمل وصيانة أمانة الحزب، عليه ان ينسحب من العمل الحزبي المنظم لأن هذا افضل له وللحزب، وعليه مواصلة العمل الوطني والديمقراطي وسوف يخدم بموقفه هذا القضية الوطنية بشكل افضل.

عام 1961/1962 كنت طالبا في الصف الرابع العلمي في ثانوية كربلاء، حيث اصبحت عضوا مرشحا في الحزب الشيوعي. وعندما استلمت ورقة الترشيح الوردية اللون من رفيقي المسؤول في الثانوية عدت للبيت وانا اشعر بالسعادة طاغية علي، حتى ان والدتي إنتبهت الى سعادتي، واخبرتها بمصدر سعادتي، وهي انسانة امية ولكنها خبرت الحياة جيدا وعلقت (بعد ماراح شوف غير السجون والمعتقلات والتعذيب وقد تخسر حتى دراستك!!) ورددت عليها برومانسية وثورية الشباب : اعرف ان الطريق الذي أخترته وعر وانا مستعد ان اضحي بحياتي من اجل هذه المباديء. شاركت بنشاط بكل النشاطات الحزبية والديمقراطية بالمناسبات الوطنية والقومية، من تظاهرات طلابية واجتماعات واضرابات، وخط الشعارات الحزبية التي تطالب بالديمقراطية والحل السلمي للمسألة الكردية. في احدى المرات كان المطلوب مني ان اوزع مجموعة من البيانات الحزبية مع رفيق في منطقة باب الخان بكربلاء. وهي منطقة محسوبة على القوى القومية والبعثية، ومن هنا تكمن صعوبة المهمة في زمن بدأت هذه القوى مستشرسه لمحاربة كل ماهو ديمقراطي لعزل النظام ومن ثم اسقاطه. انجزنا انا ورفيقي المهمة، رغم ما رافقها من عقبات حيث ان رفيقي طارده البعض ويصرخون خلفه : إمسكوه حرامي!! وقد تمكن رفيقي من الافلات منهم، بينما توجهت انا لزقاق اخر ووزعت البيانات بدون مشاكل. ولما عدت للبيت سألني اخي همام : كيف جرى التوزيع ؟ قلت : كل شئ تمام حتى اني اعطيت امرأة بيانا ولما سألتني ماهذا قلت لها انها استمارة لتوزيع الاراضي! تحاشيا من ردة فعلها السلبيه، فطلبت مني واحدة اخرى لأبنتها!. كنت اعتقد ان تصرفي ولباقتي هذه ستلاقي استحسانا من أخي همام، لكنه نهرني قائلا كيف تسمح لنفسك ان تخدع الناس، المفروض ان توزع البيان وتصارح الناس اذا استفسروا لكي نعرف ماهي ردود فعلهم وكيف يستقبلون بيانات حزبنا، وكانت ملاحظة اخي مقنعة فالهدف لم يكن فقط توزيع البيان وانما يجب ان يكون اختبار لجماهير الشعب كيف تستقبل بياناتنا وهي ترى الشيوعيين يتحدون ويدقون الابواب ويسلمون بياناتهم وهذا تمرين لرفاق الحزب على التحدي وبذلك سنكسب احترام الجماهير لنا، ولكن بسبب قلة خبرة وتجربة بعض المنظمات الحزبية لم تعر اهمية كبيرة لذلك. وفي الاجتماع الحزبي لتقييم عملية التوزيع، اثنى الجميع على لباقتي في كيفية التهرب من سؤال تلك المرأة، لكني اعترضت على ثنائهم واعدت عليهم درس اخي فأقتنعوا به.

في يوم من ايام العطلة الشتوية من عام 1962 وكنت حينها دون السابعة عشر من العمر، خرجت ظهرا وانا احمل معي مذكرة لجمع التواقيع للمطالبة بالحل السلمي للمشكلة الكردية مع بيان للحزب يحذر من النشاطات التآمرية لقوى الردة ويطالب السلطة بالديمقراطية. ما ان غادرت البيت وابتعدت عشرات الامتار حيث البريد المركزي، واذا بأحد أفراد شرطة الامن ( ناصر السري) يمسك بيدي ويأخذني الى مركز البريد حيث غرفة الرقيب العسكري، بعد التفتيش عثروا على البيان والعريضة. قيدوني و نقلوني بسيارة مسلحة الى مركز أمن كربلاء، في الطريق شاهدت أحد الاصدقاء فرفعت يدي ليرى القيد ويخبر عائلتي. خلال الطريق كنت افكر بأسئلة الامن التي سيواجهونني بها، وقد واجهني بها ناصر السري في غرفة الرقيب محاولا إغرائي بأنه سيطلق سراحي اذا أخبرته من هو الذي سلمني العريضة والبيان، وكان حديثه معي لايخلو من التهديد اذا لم اعترف. عندما وصلت السيارة الى مركز شرطة كربلاء، حيث مقر مديرية الأمن، كنت قد توصلت مع نفسي الى قرار نهائي في تحديد اجابتي على اسئلة المحققين من افراد الامن، وهي اصراري على اني عثرت على البيان والعريضة في الطريق ودفعني الفضول للاحتفاظ بها والاطلاع عليها، واذا سألت لماذا اسمي بين الموقعين على العريضة؟ فقررت الاجابة بوضوح ودون تردد انا أكره الحروب لذلك وقعت وقد ارميها لأني لا اعرف كيف اوصلها للزعيم عبد الكريم قاسم.
في مركز الامن تجمع حولي جلاوزة الامن، ناصر، كاظم وعبد العال واخرون لاأتذكر أسماؤهم في مقدمتهم المفوض لطيف وهو من اهالي الاسكندرية كما أعتقد. كان لطيف حقودا ومن شرطة أمن العهد الملكي. تركز همهم في التحقيق معي على الاعتراف ومعرفة من اعطاني البيان والعريضة وكشف صلتي الحزبية واعضاء الخلية التي تعمل معي. عندما وجدوا اني مصر على عدم الاعتراف وادعائي بأني عثرت عليها بالطريق وان ناصر الشرطي الذي اعتقلني، لاحظ ذلك واعتقلني. حينها مارسوا معي كل أنواع الضرب والتهديد بالاعتداء. كنت أشعر فعلا بالخوف لا من تعذيبهم ولكن بسبب ما تركوه من انطباعات سيئة عند تحقيقهم معي. فكانت أسئلتهم وتعليقاتهم تعكس ضحالة عقولهم وتدني مستواهم الأخلاقي، حينها تأكدت بأنني بين مجموعة من البشر المرفوضين اجتماعيا بسبب سقوطهم الأخلاقي، خاصة عندما اتطلع في وجوههم فأرى الحقد الاعمى في عيونهم وتعابير وجوههم. استمر الضرب والفلقة حتى ان احد اسناني الامامية كسر بضربهم العشوائي، وكنت احس بتعطشهم للاعتداء علي بالضرب والتلذذ بذلك. كان صغر سني كوني لم اتجاوز بعد السابعة عشر، سببا مشجعا لهم في الاستمرار بضربي وتهديدي، خاصة ان الحظ قد حالفهم في اعتقال احد الطلبة وقد نجحوا في تحطيم معنوياته بأسلوبهم هذا. لذلك كانوا يشكون بقدرتي على الصمود امام قساوتهم بالضرب والتهديد. لكن إصراري على الانكار ومجئ جدتي لوالدتي الى مركز الامن وهي تصرخ وتطالبهم باطلاق سراحي والكف عن تعذيبي، دفعني ذلك للصراخ بأعلى صوتي لاسماع جدتي وكسب عطفها واثارة غضبها لعل صراخها يضع حدا لأعتداءاتهم. لم ينفع صراخي ولاغضب جدتي، وكانوا بعد كل حملة ضرب وفلقة يخرجوني الى رواق المديرية ويطلبون مني التمشي، لكي لاتترك الفلقة اثارا على قدمي. في الطرف الاخرمن الرواق كان بعض الرفاق والاصدقاء المعتقلين في غرفتين متقابلتين، كان هناك محمد خماس، صاحب البايسكلجي وشاكر راضي وشيخ صالح واخرون لااتذكرهم يراقبون ما يجري. كان هؤلاء الرفاق يمدون ايديهم عبر باب الموقف ويؤشرون بقبضات ايديهم بأشارة الصمود، وقد زاد ذلك من عزيمتي على الصمود. بعد أن تعب لطيف من التحقيق معي قرر تأجيل التحقيق لليوم الثاني وتم حجزي في الموقف الاكبر وكان مخصصا لاصحاب الجنايات العادية، وذلك لكسر معنوياتي.

في اليوم الثاني منعوا عني الزيارات، وبعد انتهاء الدوام الرسمي بدأ التحقيق معي مجددا، وبحضور مدير الامن. كان المدير نموذج لشرطي الامن المنحط أخلاقيا، والذي تميزت به العهود الدكتاتورية، كلامه كان عبارة عن شتائم ومسبات بذيئة لاينطق بها الا ابن الشارع الساقط اخلاقيا، لم يترك كلمة بذيئة تمس والدتي وشقيقاتي الا وقالها. رغم الضرب المستمر والفلقة القاسية بأستعمال دونكي (عصا) الشرطة، لم أفكر الا بكلماته ومسباته البذيئة، وكنت اتعجب على قدرته على هذه البذاءة والانحطاط والمستوى الدوني. كان ضعفه في نطق العربية بسبب كونه تركمانيا كما علمت، زادت من قباحة مسباته، فهو يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، وعندما يعجز عن استنطاقي يصحب مسباته بحركات سوقية من اصابعه، ثم تكون هذه اشاره لجلاوزته بضربي واستعمال الفلقة. تكرر استدعائي والتحقيق معي ثلاثة ايام، وكل يوم كانوا يكررون نفس الاسئلة مع الاغراءات والتهديد والضرب والفلقة. وبعد ان عجزوا عن انتزاع اي اعتراف مني، دونوا محضر التحقيق ووقعته، وانتهت حملة الضرب واحتجزت مع بقية الاصدقاء.

كان احد المعتقلين في الموقف من الذين سبقوني هو الشيخ صالح، وهو شاب بصير وبلباس الدين الروحانيين وكانت له مجالسه وفي نفس الوقت كان يباشر بالدراسة كطالب خارجي. وانتمى الى الحزب الشيوعي وكان من النشطاء في مجاله وقد لاقى بسبب انتمائه للحزب الكثير من المتاعب، وحسب علمي حتى من عائلته، وربما ان عائلته لم تعد تتحمل المتاعب والاضطهاد الذي تعرض له خلال فترات الاستبداد، فكانت تضغط عليه للأبتعاد عن الحزب. وقد اعتقل حينما انتبه له احد افراد الامن السري وهو يسلم منشورا حزبيا لصديق، وتابعه ومن ثم فتشه وعثر على بيان للحزب في جيوب جبته.

في الموقف كنا محرومين من الصلة بالحزب، حتى الصحافة العلنية مثل صحيفة 14 تموز لم تصلنا، وبعد اعتقال سالم عودة، اصبح هو واسطة صلتنا بالحزب، وهو طالب شيوعي ومن عائلة كادحة، واعتقد انه كان أحد أعضاء اللجنه الطلابيه القياديه. في الموقف قدمنا للحزب معلومات عن تحرك الامن وخفاراتهم الليلية وتحركاتهم اليومية، كنا نراقب نشاطهم من خلال استعمال المرايا لنرى ماذا يحدث في الجانب الاخر من الرواق حيث مركز الامن. واستغلينا امكانية خروجي للمشاركة بأمتحان نهاية العام الدراسي، فطلبنا ان يلتقي بي رفيق من لجنة مدينة كربلاء لمناقشته بأوضاعنا في التوقيف. تم هذا القاء مع المعلم محمد علي عزت، عضو لجنة مدينة كربلاء، وبوجود شرطي لحراستي، ولما استفسر الشرطي عن الرفيق قلت له انه استاذي واتناقش معه حول الامتحانات، حيث كنت احضر يوميا للمشاركة في امتحانات نهاية العام. وكنت متحمسا لخروجي لأجراء امتحاناتي فقد أتاحت لي فرصة الخروج الى خارج الموقف والسير عبر الشارع وانا مكبل اليدين، وان التقي بوجوه كثيرة من الطلبة والطالبات التي تعودت ان اقابلها في طريقي كلما ذهبت لثانوية كربلاء.


يتبع

(1) كاظم الرماحي كان مالك مكتبة الشعب في كربلاء بعد ثورة 14 تموز وقد اعتقل وعذب في قصر النهاية، حتى سبب له التعذيب شلل في يده وساقه، وقد استشهد بأعدامه بعد الانتفاضة عام 1991 بسبب معالجته جرحى الانتفاضة.
(2) ماضي النجف وحاضرها، الجزء الثاني، تأليف جعفر الشيخ باقر آل محبوبة
(3) حنا بطاطو ، العراق- الجزء الثاني
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb4.jpg‏ (18.3 كيلوبايت, المشاهدات 0)
نوع الملف: jpg shb3.jpg‏ (17.4 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-24-2011, 05:02 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ثورة 14 تموز والانتكاسة

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

خلال الايام الاولى من اعتقالي شاهدني بالصدفة عقيل، وهو زميلي في الصف الرابع العلمي، وجاء لمركز الشرطة ليرى والده، وهو معاون شرطة في المركز. شرحت له سبب اعتقالي ورأى اثار الضرب والكدمات وتعاطف معي. كان عقيل احد زملائي بالصف، وكان مفرط السمنة وكثيرا مايمزح معه زملاؤه مزحا ثقيلا لأثارته والسخرية منه ولم يكن قادرا على الرد من سخرياتهم او تجنبها، كان طيب القلب متسامحأ مع من يخطأ ويسخر منه، وكنت كثيرا ما أنتقد الاخرين على أسلوبهم الساخر منه واحيانا اضطر للرد عليهم بإسلوبهم الساخر، وفي احد الأيام تحدثت مع أستاذ العربي، رضا مرتضى، وشرحت له مايعانيه عقيل من معاملة كلها سخرية من زملائه ورجوته ان يتحدث بالصف عن ذلك علهم يغيرون أسلوب تعاملهم معه. وفعلا تحدث الاستاذ وانتقد اسلوب التعامل هذا وكثير من الزملاء تأثر واستجاب لحديث الاستاذ رضا مرتضى. مساء نفس اليوم زارني والد عقيل وطلب مني ان اوقع على طلبا لحاكم التحقيق كتبه باسمي للافراج عني بكفالة ووقعته. بعد يومين استدعيت للتحقيق من قبل مدير الشرطة وبحضور مفوض الامن لطيف، كان كل التحقيق يدور عن طبيعة علاقتي بعقيل ووالده. لم يقتنعوا ان عقيل كان مجرد زميل لي في الصف. ومن اسلوب طرح الاسئلة علي وما تتضمنه من معاني مبطنة ومباشرة احسست ان مديرية ألأمن تحيك امرا سيئا للإيقاع بوالد عقيل لموقفه النبيل إتجاهي. كان كل تفكير مفوض ألأمن لطيف هو كيفية ألإيقاع بوالد عقيل كي يثبت ذلك لمسؤوله ألإداري مدير شرطة كربلاء، فكانت كل ألأسئلة تدور عن علاقتي او علاقة والدي بمعاون الشرطة (والد عقيل)، وهل نتزاور وكلها اسئلة مكررة وبصيغ مختلفة، وكان جوابي واحد وثابت وهو الحقيقة، وهو ان عقيل زميلي لا أكثر وليس لوالده اية معرفة مع عائلتي، وان والد عقيل تصرف معي بنبل وشهامة إستجابة لرجاء ابنه لمساعدتي وقد رأى اثار التعذيب على وجهي، وان موقفه اتجاهي هو تعبير عن الأمتنان لي وتقديرا لزمالتنا، وهو موقف انساني نبيل. بعدها لم أرى عقيل ولا والده خلال وجودي ثلاثة اشهر في موقف شرطة كربلاء. عندما خرجت من السجن سألت زميلي صباح ناجي نامق عن عقيل وهو جار له فاخبرني ان والد عقيل بعد محاولته لمساعدتي نقل كعقوبة له الى مدينة اخرى!! ولم تسنح لي ألفرصة خلال تلك ألسنوات لتقديم شكري وأمتناني لعقيل ووالده على موقفهم النبيل والشجاع، فشكرا لعقيل ووالده على نبلهم وشهامتهم، واعتذاري لهم لما لاقوه من إساءة بسبب ذلك.

في مركز شرطة كربلاء توجد غرفتان متقابلتان، يفصل بينهما ممر عرضه اقل من 3م، والغرفتان متفاوتتان في ألمساحة. كنا ننقل من غرفة لأخرى، حسب رغبة مديرية ألأمن. اعتقل معنا شخص يدعى سعد ..... من أهالي كربلاء، بقضية تحرش أخلاقي. كان سعد يتفاخر أمامنا كونه حاول ألتحرش بمعلمات يسكن سوية في بيت مستأجر، لأنهن من مدن أخرى. ألمعلمات قدَمن شكوى للشرطة ضد سعد، فلم تفعل الشرطة شيئا، كونه من عائلة لها نفوذ وألمعلمات ذات توجه ديمقراطي وهو يدعي بتبنيه (الفكر العروبي ألأسلامي)! ولسوء حظ سعد، كان شقيق إحدى ألمعلمات ضابطا في وزارة ألدفاع. تمكن هذا ألضابط من إصدار أمرا بتوقيف سعد من ألحاكم ألعسكري ألعام (محمد صالح العبدي). لهذا لايمكن ألإفراج عنه إلا بأمر من ألحاكم ألعسكري، وهذا ماعجزت عنه عائلته. لكن ألعائلة وفرت له ظروفا مثالية في ألموقف. كان معظم ألليالي يشارك ألمفوض ألخفر في ألسهر وتناول ألخمر، ويعود للموقف في آخر ألليل، ويدعي بممارسته الجنس مع إحدى ألمومسات بالأشتراك مع المفوض ألخفر، حيث ألأخير يوفر له جو ماجن ليلي ! كان هذا ديدنه يوميا، ويحاول دائما إستفزازنا والتطاول على ألحزب، مستقويا بعلاقاته مع مسؤولي الشرطة. وهكذا كان تصرفه مع الموقوفين ألجنائيين، مما أغاض أحدهم (عبد الواحد) المتهم بقضية قتل والد زوجته، ولم يعد عبد ألواحد يطيق تصرفاته، وهو يرى مايجري ليلياً واهتمام مأموري الشرطة به، إضافة لتمادي سعد باستهتاره ألمستمر، بينما يجد علاقاتنا الرفاقية ذات الطابع الانساني وبساطة حياتنا وما نحمله من هموم شعبنا، واهتمامنا بالموقوفين وتنظيم حياتهم. فقرر عبد ألواحد، بعد أن إستسمحنا لإضطراره لذلك، بأنه سيؤدب سعد ومسؤولي الشرطة من مأمورين خفر!! ليلا وبعد عودة سعد من سهرته وكان مخموراً، هجم عليه عبد ألواحد بنعاله المرصوص بقطع حديدية (النعلجات) وأشبعه ضربا. كان سعد يصرخ ويطلب تدخل ألشرطة ويشتمنا، متهمنا بالتحريض. وكان الجواب الوحيد لصراخه واستغاثته ان يهوي نعال عبد الواحد بقوة على رأسه ووجهه ويشتمه ويطلب منه أن لايذكرنا بسوء لأننا نشرفه. لقد لاقى هجوم عبد الواحد على سعد ارتياحا من قبل الموقوفين الجنائيين، وكان البعض منهم تجمع امام باب الموقف ليحجز الرؤية اذا ماقدم حرس الموقف لمعرفة مايحدث والبعض الآخر كان يمزح بصوت عال كي يغطي على صراخ سعد ولا تسمع استغاثته. لما جاء ألحارس وإستدعى ألمفوض ألخفر، كان سعد منهارا ولايقوى على ألوقوف والدماء تسيل من رأسه. وتسائل ألمفوض عما يحدث، بادر عبد الواحد قائلا: سيدي يوميا يرجع وهو يشتمنا ويدعي أنه يشرب الخمر مع المفوض ألخفر ويمارس ألزنا بموافقة ومشاركة الخفر، وهذا حرام سيدي ولازم يتأدب وهو بذلك يسيء اليكم ويشوه سمعتكم وسمعة المركز!!. كان ألمفوض ألخفر مخمور، واحس بالأحراج وبالموقف الصعب الذي وضعه فيه سعد وحماقته، وحاول تهدأت الموقف واسكات عبد الواحد واخرجه لإسعافه، ومن ثم نقله للموقف ألمقابل. ومنذ ذلك أليوم لم يعد سعد يخرج للسهر ليلا، كما لم يجروء ألمفوض بمعاقبة عبد الواحد، خوفا من ألفضيحة.

في ايار من عام 1962 احلت الى المجلس العرفي الثاني برئاسة شمس الدين عبد الله. سُفرت الى موقف شرطة سراي بغداد، كان الموقف يتكون من ثلاثة غرف متساوية بالمساحة ومصفوفة في صف واحد. واحدة لذوي الجنايات العادية، والوسطى للقوميين والبعثيين والثالثة للديمقراطيين والشيوعيين والغرف مفتوحة الابواب وتطل على ساحة صغيرة لرياضة المشي. وجودي في الموقف بين السياسيين الديمقراطيين مع صغر سني جلب الانتباه واثار فضول البعض لمعرفة سبب اعتقالي. سألني احد الاكراد عن سبب اعتقالي فشرحت له حكاية البيان والعريضة وحملة التواقيع التي جمعتها من اجل المطالبه بالحل السلمي للمشكلة الكردية. كنت اتوقع انه سيثمن تضحيتي هذه من اجل القضية الكردية وفاجأني بغضبه واتهامي كوننا جبناء وتابعين لعبد الكريم قاسم، وتدخل بعض الزملاء ونهروه وابعدوه عني. كان موقف الحزب من القضية الكردية غير مقبول لامن السلطة ولا من الحركة القومية الكردية. فالاكراد توصلوا الى موقف نهائي وهو انه لايمكنهم تجنب ألاستفزازات الشوفينية في مناطقهم ولا الحصول على مطالبهم وحقوقهم رغم تواضعها إلا من خلال الثورة المسلحة. بينما يرى الحزب الشيوعي ان افضل طريق لوصول الاكراد لحقوقهم القومية يكون عن طريق النضال السلمي وتحشيد الرأي العام العراقي والعربي والعالمي لتبني هذه الحقوق العادلة، وان الحرب تضعف جمهورية تموز وتساعد قوى الردة في نجاح مؤامرتها لأسقاط جمهورية تموز والتراجع عن انجازاتها الوطنية.

بعد الظهر جاء والدي واخي همام لزيارتي وشجعاني لمواجهة ألمحكمة غداً. أخبرني والدي بانه تحدث مع الشيخ الجليل محمد رضا الشبيبي لكي يتوسط من خلال معارفه لدى شمس الدين عبد الله للافراج عني. لكن الشيخ كان متشائما وقال للوالد اذا ماتوسطت لأبنك فان شمس الدين عبد الله سيحكمه، ومع هذا سأحاول. صباح اليوم الثاني كنت امام المحكمة في معسكر الرشيد حيث مقر المجلس العرفي الثاني. كان هناك والدي واخي همام خارج المحكمة ولم يسمح لهما بحضور جلسة المحكمة!!.

استدعيت للمحكمة وكانت فارغة إلا من الحرس وهيئة المحكمة ويتوسطها شمس الدين عبد الله الذي عرف بمعاداته للقوى الديمقراطية واستهتاره بالقانون والعدالة وبأحكامه الجائرة على كل وطني شريف، واحسست بجو غير عادي يبعث على القلق وعدم الثقة بعدالة المحكمة. كان المجلس العرفي الثاني مسلطا كالسيف على رقاب القوى الوطنية الديمقراطية. واحكام الاعدام والمؤبد التى اصدرها المجلس العرفي برئاسة شمس الدين عبد الله اضعاف ما أصدرته محكمة الشعب بحق المتآمرين على جمهورية 14 تموز، وللأسف كان كل هذا يحصل بموافقة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. دخلت القفص وبعد القسم سألني شمس الدين عبد الله عن اسمي ومهنتي وعمري واجبته أن عمري 17 سنه، التفت لكاتب المحكمه وقال له انه يكذب، سجل عمره 18 سنه. ماذكرته للمحكمة لم يكن كذباً، فانا من مواليد 24 نيسان 1945، تكذيبي بهذه الطريقة ترك لدي انطباع بأن رئيس المحكمة ينوي اصدار حكما بحقي، وهو دليل واضح بإستهتاره بالقانون، فوثائقي التي احملها وملفة التحقيق تؤكد حقيقة عمري. ثم سألني بوقاحة ماهي صلة القربى مع شيخ محمد رضا الشبيبي، اجبته انه جدي، ولم يسألني اكثر من هذا وطلب اخراجي للمداولة. من تصرف رئيس المحكمة ايقنت اني محكوم لامحالة، وأن حدس شيخ محمد رضا ألشبيبي كان في محله. سألني والدي عما جرى ولماذا بهذه السرعة، وقبل ان انبس ببنت شفه لاقص عليه ماجرى، استدعيت مرة ثانيه ليعلن شمس الدين حكمه بسجني لمدة ستة اشهر، أقضيها في سجن الكوت.



محمد الشبيبي الواقف ثاني واحد من اليمين مع طلبة اعدادية كربلاء في
سفرة طلابية الى الحبانية في 22/12/1961 اي قبل اعتقالي بشهرين
في اليوم الثاني سُفرْت الى سجن الكوت، يرافقني مجموعة من المحكومين السياسيين اتذكر منهم ألشهيد نصير النهر. استلمتنا ادارة السجن وسلمتنا الملابس السجنية، وكانت عبارة عن شبه بجامة من بنطلون وقمصلة من القماش السميك والخشن فاتحة اللون ومقلمة بلون بني فاتح، اما الفراش كان عبارة عن مخدة وبطانيات، واحدة منها تستعمل كغطاء والباقية كفراش!! وسلمنا ادارة السجن كل ملابسنا ولم يسمحوا لنا بإدخال قناني القلونية او الريحة والمعلبات التي كانت بحوزتنا كالجبن الكرافت وعلب سمك التونة وغيرها!. خصص لي مكانا في السجن القديم واستقبلني الشهيد محمد الخضري. بعد ان تعرف علي قال لي كان والدك زميلي في مؤتمر نقابة المعلمين والان انت زميلي في سجن الكوت وقدمني الى الزملاء قائلا كان ابوه زميلي في مؤتمر نقابة المعلمين وهو الان زميلي هنا انه اصغر سجين سياسي واصغر زميل كما ان عمه الشهيد حسين الشبيبي كان احد نزلاء هذا السجن وهو الان نزيل نفس السجن.

قبل ان يستقر المقام بي في السجن القديم وأثناء قيامي بجولة داخله للتعرف على قاعاته ومرافقه برفقة الشهيد محمد الخضري، جاءهم خبر بأن معارف لي يطلبونني لأكون زميلا لهم في المحجر، احد أقسام ألسجن. فانتقلت للمحجر وكان هناك مجموعة من النجفيين وعندما سمعوا باسم محمد علي الشبيبي موجود في السجن القديم اعتقدوا انه أخ الشهيد صارم (محمد علي) الذي كان زميلهم في السجون ايام العهد الملكي. لم اعرف إلا واحدا من هؤلاء النجفيين، وتفاجئوا بصغر سني. بعد ان تعارفنا عرفت منهم فقط ناجي ابو رقيبه وهو بدوره عرفني لانه كان يتردد على بيت جدي عندما كنت طفلا. في القاعة التي سكنتها كان معي اثنان من كبار المحامين الديمقراطيين, احدهم كاسب السعد اما الاخر للاسف نسيت اسمه. حكم المجلس العرفي الثاني على كاسب السعد (اخ المناضل الراحل غضبان السعد) ومجموعته عدة سنوات (اعتقد 10سنوات) لان هذه المجموعة (8 او 10 شخصيات عراقية) قدموا مذكرة للزعيم عبد الكريم قاسم تطالبه بالحل السلمي للقضية الكردية، ووزعت المجموعة على السجون. احد الايام سألني كاسب، وكان فراشي مجاور لفراشه، من اي مواليد انت فأجبته من مواليد 1945 فعلق ساخرا: في ذلك العام انهيت الحقوق!. ربما كان يريد ان يقول اي زمان هذا الذي يجمعني مع هذا الشاب المراهق وتدارك سخريته وحولها الى سخرية من شمس الدين واحكامه، فقال ان حارس القانون هو اول من ينتهكه كيف يسمح ضميره ان يصدر حكما عليك وانت لم تبلغ 18 عاما. قلت له ان المحكمة كانت شكلية ولم تستغرق بضعة دقائق حتى انه لم يمنحني فرصة الدفاع عن نفسي، ولم يسألني حتى عن صحة التهمة.

لم يكن المحجر كبيرا وكان يحتوي على أربع غرف صغيرة أكبرها غرفتنا، تحيط الغرف بساحة المحجر من جانبين اما الجانبيين الاخرين فيوجد الحمام والتواليت والمغاسل، تتوسط المحجر ساحة من الكونكريت لاتزيد مساحتها عن 100 م². الباب الرئيسية للمحجر تطل على الممر الذي يحيط بكل اقسام السجن ويفصل ادارة ألسجن عن الاقسام، ويستغل هذاالممر للزيارات الشهريه، حيث نخرج يوم الزيارة للممر لإستقبال زوارنا. يؤدي باب المحجر الى مدخل بطول 5م الى ساحة المحجر. في المدخل تنتصب ثلاثة إحبوب لماء الشرب. كما ان محجرنا ملاصق للسجن القديم وكان بالامكان التخاطب وتناقل الاخبار والرسائل من خلال الجدار الفاصل والذي لايزيد ارتفاعه عن 4م، وكانت المنظمة الحزبية تستفاد من ذلك للتنسيق وتبادل الأدبيات.

صيفا حيث اشعة الشمس الحارقة تغطي كل الساحة من الظهر وحتى الخامسة، فيصبح من الجنون البقاء في الساحة وقت الظهيره لمدة طويلة. بعد ان تغيب اشعة الشمس عن ساحة المحجر يقوم الخفراء من سجناء المحجر برش الساحة بالماء وتكرار ذلك عشرات المرات لتبريدها، والا لايمكننا النوم في الساحة ليلا لشدة سخونة الارض، لأنها من الكونكريت. بعد العشاء يهب الجميع في ممارسة رياضة ألمشي في الساحة التي لايتجاوز طولها عن 14م، لايمكن تأجيل رياضة المشي هذه لأن الكل يفرش فراشه في الساحة بعد ان نتناول عشاؤنا وتخف الحركة. ليلا تبدء جلسات السمر، كون الساحة صغيرة، تكون افرشتنا متراصفة ولا يفصل بينها الا بضعة سنتيمترات، والاحاديث يتشارك بها الكل تقريبا. ومن وقت لاخر نحي حفلات ليلية بمساهمة بعض من ذوي الاصوات الشجية.

في السجن لا يسمح لنا بادخال السكاكين وكنا نحور الملاعق ونحدها بالكونكريت ونستعملها كسكاكين. اما المعلبات من اجبان ولحوم وسمك والتي استلمتها الادارة منا تسلم لنا تدريجيا وبدون علبها المعدنية. اما القلونية كانت ممنوعة علينا منعا باتا، وكان البعض ينجح بتهريبها ايام الزيارات.

كنا نتوزع على مجاميع من 5 اشخاص لنكون سفرة (مجموعة لتناول وجبات ألطعام سوية) واحدة نلتقي فيها لتناول الوجبات الرئيسية، ولكل سفرة خفر بالتناوب مهمته تحضير السفرة وغسل أواني السفرة. احيانا السفرة الواحدة تقوم بنشاط اضافي لتحسين وجبتها من خلال اضافة الحامض والبهارات وحتى الثوم، ويقوم بذلك خفرها. وكان الغداء يتكون في كل الايام من المرق والرز او الخبز بدل الرز، ولم تكن كميته كافية وكذلك كانت نوعيته دون الوسط، بحيث اطلقنا على الخضار في المرق مصطلح اعماق، كونها قليلة وشحيحة وراكدة في اعماق ألسطل (إناء معدني سعة 50 لتر لنقل الماء).

اهتم احد الزملاء اسمه حمد من سكنة بغداد واعتقد من باب الشيخ بتدجين الحمام وكان يهتم باطعامها، وكنا نتمتع ونحن نتابع طيرانها ثم تعود الينا، ولكن كان عليه ان يطلقها صباحا عند قيام الادارة بحملة التفتيش، لانه غير مسموح بتربية الطيور وكانت هذه الطيور احدى وسائل تسليتنا.
لن يَحول السجن من مواصلة الشيوعيين نشاطاتهم وخاصة التثقيف الذلتي ، وهذه تقاليد سار عليها الشيوعيون بعد ان رسخها الشهيد الخالد فهد. فرغم شحة المصادر التثقيفية واعتمادنا على كراريس بخط اليد او على بيانات الحزب وصحافته، كانت حلقات التثقبف الذاتي والتنظيمي متواصلة. بعد وصول اي سجين ومعرفة الأسباب وراء سجنه وربما يوجد في داخل السجن من يزكيه، حينها تقرر المنظمة الحزبية طبيعة العلاقة به، وكان احد المسؤولين عن المحجر الشهيد محمد جميل الرحبي.

لم تدم اقامتي بالسجن طويلا، لأن محكوميتي كانت ستة اشهر وقد قضيت نصفها في التوقيف. وكما عرف عن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم كان دائما يصدر مرسوما جمهوريا بالاعياد بالعفو عن السجناء او تخفيض محكومياتهم، وقد شملني هذا الاعفاء واطلق سراحي قبل اسبوع من انهاء فترة السجن المقررة. وهكذا اطلق سراحي في اواخر تموز، وكان اخي همام في زيارته الاخيرة لي ترك لي ملابس جديدة، لدى ادارة السجن، لأرتدائها بعد خروجي.

صباح اليوم الثاني سلمت ملابس السجن واستلمت ملابسي الجديدة والانيقة. توجهت من السجن مشيا قاصدا اصدقاء لأخي في الكوت وانا اتطلع في وجوه الناس وكأنني قادما من عالم اخر، كانت بي رغبة ان اصرخ باعلى صوتي لاخبر الجميع باني سجين سياسي خارج من السجن توا، واني صمدت امام تعذيب أمن كربلاء وحافضت على اسرار الحزب بالرغم من صغر سني وها انذا الان حرا واسير رافع الرأس وسأعود لنشاطي الحزبي وانا اكثر تصميما. توجهت الى بيت زميل اخي في كلية التربية دون صعوبة. تناولت غداء دسما لايقارن مع اعماق السجن، بعد ان تناولت الشاي اوصلني اهل البيت الى سيارات بغداد، وفي بغداد كان اخي همام بانتظاري، بعدها اخذنا تاكسي الى كربلاء حيث وصلنا للبيت بعد منتصف الليل.

كان الاهل بانتظارنا وفرحتهم كبيرة، بينما كانت الوالده قلقة رغم فرحتها بعودتي، حتى ان اخي انتبه وسألها عن مصدر قلقها، تبين انها كانت خائفه من ان الامن وضعوني في قوائمهم واني ساكون دائما مطارد. صَحَت هواجس الوالدة، فكلما حدث نشاط للحزب استدعيت واستجوبت. كان اخرها استدعائي واستجوابي من قبل أمن كربلاء: اين قضيت الليلة الماضية؟ وهل كنت من المساهمين في خط الشعارات ألحزب التي ملأت شوارع كربلاء؟ وعندما نفيت مشاركتي، قالوا سنُحظِر الدليل! جاؤوا بالدليل واعتقدت انه احد المساهمين بالخط، لكن فوجئت بان وضعوا الدليل على الطاولة وكان نعال اسفنج !!!! سألوني عن قياس قدمي ولم يصدقوا اجابتي وطلبوا مني انتعاله، لحسن الحظ كان قياسه كبيرا جدا، فاخلوا سبيلي.

بعد ان التقيت بالاصدقاء علمت ان طالب النداف ورفيقه واثناء قيامهم بخط الشعارات ليلا فوجئوا بأحد افراد الامن فهربا مسرعان وقد تخلى احدهم عن نعاله. ولم يتمكن شرطي الامن من الامساك به فعثر على النعال وجاء به لدائرة الامن كدليل جريمة و تفتق عقلهم بالتفتيش عن صاحب النعال. استدعوا كل من يشتبه به واعتقل كل من كان النعال على مقاس قدمه للتحقيق معه. هكذا اعتقلوا مجموعة من الشباب الشيوعيين واصدقائهم من ليس لهم علاقة بالتهمة ماعدا طالب النداف ورفيقه وقد نجحا في الهرب والاختفاء عن عيون الامن، وبقي ألنعال محجوزا في الامن.

بعد خروجي من السجن كان علي ان ابذل جهودي لتأدية امتحانات الرابع الاعدادي في الدور الثاني، لأن مشاركتي اثناء وجودي في موقف كربلاء كانت رمزية لتجنب فصلي من الثانوية أذا ماتجاوز غيابي اكثر من 60 يوم متواصلة، ومشاركتي تعني عدم جعل غيابي متواصلا 60 يوما اثناء الفصل الدراسي. وتمكنت بجهودي واصراري ان اثبت للآخرين ان نشاطي السياسي وما تعرضت له من سجن لن يؤثر على دراستي، وتمكنت من اجتياز جميع الامتحانات بنجاح وعبرت للصف الخامس العلمي لألتحق بزملائي.
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb5.jpg‏ (16.0 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-24-2011, 05:06 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي

\5\


انقلاب شباط الدامي

محمد علي الشبيبي


استيقظت متأخرا صباح الجمعة 8 شباط 1963، على صوت المذياع وهو يذيع البيان الأول للإنقلابيين. لم اركز في البداية على صوت المذيع، الذي كان يقرأ الفقرة الأخيرة من البيان، وحسبت ان هذا احد بيانات عبد الكريم قاسم والتي عودنا عليها في مهاجمة القوى المعادية للثورة، بينما كانت سياسته الفعلية قمع قوى الثورة الحقيقية الديمقراطية والوطنية وارخاء الحبل لنشاط القوى الرجعية والعروبية المعادية لنهج ثورة 14 تموز. وقفت بجانب المذياع لسماع وفهم ما يذاع. وبعد فاصل من الإستراحة مصحوبا ببعض الأناشيد القومية أعاد المذيع تلاوة البيان وهو يعلن: (....لقد تم بعون الله القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة.....) حينها ايقنت أنها حركة إنقلابية وأن الإنقلابيين قد سيطروا على الإذاعة. وهكذا علم كل من في البيت بطبيعة الإنقلاب من خلال تعليقات المذيع واسلوبه في وصف عبد الكريم قاسم، وتجمع الكل حول المذياع لسماع ما يستجد وعلى أمل ان تحدث معجزة وتسترد الإذاعة، وإحباط الحركة الإنقلابية.

كان موقف الحزب الشيوعي واضحا من اي حركة إنقلابية، وهو العمل على إحباطها بكل الوسائل الممكنة بإعتبار أن أي إنقلاب سوف يستهدف المكاسب الوطنية التي انجزتها ثورة 14 تموز، وكان اخر بيان للحزب يحذر من مؤامرة وشيكة ويدعو الشعب لفضح وكشف خيوط المؤامرات التي تحاك ضد منجزات ثورة 14 تموز ومصالح ألشعب. قررت الخروج للإتصال بالحزب لمعرفة حقيقة ألموقف، وقد شجعني والدي على ذلك. التقيت بمسؤولي ألحزبي عند الباب، فقد جاء ليبلغني بتوجيه ألحزب: رفيق ألتجمع في ساحة ألميدان، واجلب معك أي سلاح تملكه! وحشد ألأصدقاء لهذا التجمع. لم افهم من رفيقي مالمقصود بجلب اي سلاح ممكن، وهل نحن على وشك خوض حرب شوارع!! وهل بهذه الطريقة يتم احباط المؤامرة؟؟ واين دور تنظيمات الحزب بالجيش؟ غادرت البيت وكانت تدور في ذهني كل هذه التساؤلات، وبدون أي سلاح لعدم توفره في البيت، وحشدت بعض ألأصدقاء من المنطقة للذهاب والتجمع في ساحة لميدان.
بعد تجمع المئات وقف عباس سلمان (معلم وعضو لجنة مدينة كربلاء للحزب) والقى كلمة مختصرة فضح فيها الإنقلاب واهدافه وطالب المتظاهرين بمقاومة الإنقلاب بالوسائل الممكنة!! واعلن بأن الحزب شكل وفدا لمقابلة عبود الشوك متصرف (محافض) كربلاء وبقية المسؤولين كمدير الأمن ومدير الشرطة لأتخاذ موقف حازم من الإنقلابيين، ومطالبتهم بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وتم تشكيل الوفد من فيصل الشامي وابو انعام (معلم ممثلا عن الحزب الوطني الديمقراطي) وفائقة وأعتقد كان ضمن الوفد وجها فلاحيا (ابو عباس او كاظم ناصر). لم يتمكن الوفد من إقناع المتصرف وبقية المسؤولين من إتخاذ موقف صارم من الإنقلابيين أو حتى اطلاق سراح الموقوفين الموجودين في موقف كربلاء. كان موقف المتصرف وبقية المسؤولين يتميز بالمماطلة والإنتظار كي تتجلى لهم الامور ويحسم الوضع لتحديد موقفهم، وهو موقف إنتهازي.

سارت التظاهرة وهي تجوب شوارع المدينة منددة بالمؤامرة الدنيئة للقضاء على ثورة 14 تموز ومنجزاتها الوطنية. جابت التظاهرة معظم شوارع المدينة بما فيها المناطق السكنية المعروفة بتعاطفها مع ألبعثيين والقوميين، وقد تجمع نفر منهم في مناطقهم للتظاهر تأييدا للانقلاب وبعضهم ارتدى ملابس الحرس القومي، وما ان شاهدوا تظاهرتنا حتى هربوا مذعورين، من دون ان تحدث مصادمات. حاول ألحزب القيام بمحاولة للسيطرة على المدينة من خلال ألإعتماد على بعض ألإمكانيات ألمتواضعة من ألتسليح لدى تنظيماته ألفلاحية. وهي محاولة ارتجالية وانفعالية وقد فشلت محاولة ألحزب واعتقلت المجموعة ألفلاحية ( مؤلفة من 7-10 فلاحين بقيادة الفلاح مهدي النشمي) من الحزبيين وأصدقائهم، من قبل شرطة باب العلوة او شرطة الحسينية، وهم بطريقهم الى ألمدينة. تفرقت ألتظاهرة مساء 8 شباط دون حوادث وتصادم مع البعثيين ولا مع السلطة، ومن دون أي توجيهات حزبية عن كيفية مواجهة ألإنقلابيين في ألأيام ألقادمة!! وبالرغم ان الحزب كثيرا ماكان يحذر من المؤمرات التي تحاك ضد ثورة 14 تموز وخاصة التحذير الذي سبق الانقلاب بأيام لكنه فشل في تهيأة منظماته وتمرينها على كيفية مواجهة الانقلاب واحباطه بصورة عملية وبأقل الخسائر.

أكَّد ألإنقلابيون في اليوم الثاني نواياهم ألإجرامية ببيانهم الفاشي، بيان رقم 13 وجاء فيه : (نظرا لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد ألكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لأحداث ألبلبلة بين صفوف الشعب وعدم ألإنصياع الى ألأوامر والتعليمات ألرسمية، فعليه يخول آمرو ألقطعات ألعسكرية وقوات ألشرطة والحرس ألقومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن. واننا ندعو جميع أبناء ألشعب المخلصين للتعاون مع السلطة ألوطنية بالإخبار عن هؤلاء ألمجرمين والقضاء عليهم) وكانت تعليقات المذيع الحماسية تشجع على القيام باعمال ألإبادة والقتل ألعشوائي قبل اجراء اي تحقيق بحجة مقاومة الانقلاب. لم يكن ألإنقلابيون بحاجة لمبررات لإصدار بيان 13، فهم ابدعوا في إبادة الشيوعيين وكل وطني هب للدفاع عن الثورة من اليوم ألأول، ومازال الكثير منهم ليومنا هذا يتبجحون بجرائمهم، وحتى الذين ابتعدوا عن البعث وكتبوا مذكراتهم يحاولون التنصل من تلك الجرائم وتحميل بعض العسكرين من بعثيين وقوميين امثال عبد السلام عارف مسؤلية الانتهاكات.

اعتقلت صباح 9 شباط وكنت اول المعتقلين في ألمدينة بعد اول حملة اعتقالات منظمة في كربلاء. وأعتقل والدي بعد اربع ساعات وهو في طريقه ألى الخالص ليلتحق بعمله، حيث انزل من ألسيارة التي تقله من قبل ألحرس ألقومي. استمر تجميع ألمعتقلين في مكتب القلم ألسري في مديرية الامن في مركز شرطة كربلاء حتى تجاوز عددنا العشرون، ولم تعد الغرفة تتسع للمعتقلين إضافة إلى موظفي ألأمن بمكاتبهم وهم يقومون بحراستنا. كان أحد ألشرطة السرية لايتورع في ألإعتداء على بعض ألمعتقلين بالضرب والشتائم، وقد ركز في ذلك على والدي كلما دخل او خرج من المكتب، وكان والدي يتحمل اعتداءآته بصبر ويحاول احيان صد ضرباته بيده لكنه لم يحاول اخفاء نفسه وراء الآخرين. ويحاول والدي من حين لآخر ان يستفسر منه عن سبب اعتدائه فيسأله بعتاب: ليش ابني انا رجل بعمر والدك، ماذا فعلت؟ الله يسامحك ويهديك يا أبني!. كنت أرى هذا ألشرطي ألتافه يعتدي على والدي ولايمكنني رده وانا أتألم واغتاظ لسلوك هذا الشرطي القذر، فقررت أن اقف أمام والدي، لكي ابعد والدي عن طريقه. لكن هذا الشرطي إستمر في ضرب والدي وشتمه. من خلال تجربتي الشخصية في معتقلات اجهزة الامن، لاحظت ان الشرطة السرية (شرطة اجهزة الأمن) كانوا معظمهم منبوذين أجتماعيا، ويتم اختيارهم من العناصر الفاشلة في حياتهم الاجتماعية والعملية، فيلجؤون للإلتحاق والعمل كمخبرين في اجهزة الامن السيئة الصيت، وهم بإعتدائهم على المعتقلين السياسيين يحاولون تغطية هذا النقص في شخصياتهم والتظاهر وكأنهم ارفع شأنا من الاخرين ويتحكمون بمصير وحرية المعتقلين. بادر أحد كتاب القلم السري، إسمه جدوع، سبق وكان معتقلا معي في مركز شرطة كربلاء عام 1962 (لم اعد اتذكر سبب توقيفه)، وكان يتعاطف معي في الموقف وكنا نشركه معنا في الطعام وجلساتنا واحاديثنا وتكونت بينه وبيننا زمالة معتقل تركت تأثيرها ألإيجابي في سلوكه. طلب جدوع من والدي أن يقف قريبا منه اي خلف مكتبه ليجنبه هذه ألإعتداءات من هذا الشرطي المستهتر، وكان موقفا نبيلا من موظف يعمل في جهاز ألأمن، ربطتني به علاقة زمالة في الموقف لمدة أيام معدودة.

بعد ان طال احتجازنا وإزداد عددنا وبسبب ارتباك دائرة ألامن حيث برزت قوة ألحرس ألقومي باعتبارها السلطة ألوحيدة لإصدار ألأوامر ألمتعلقة بالمعتقلين واصبح مصيرنا بيد الحرس القومي، حينها بدأت أللامبالاة تسود بين شرطة ألامن. عندما طلبنا أن يسمحوا لنا بالذهاب ألى المرافق ألصحية بعد حجز زاد عن خمس ساعات، أجابنا أحدهم أنهم غير مسؤولين عنا ولايمكنهم تحمل مسؤولية مرافقتنا للمرافق الصحية لقضاء حاجتنا، لأن المرافق الصحية كانت في ساحة المركز وخارج الأبنية الادارية وتتطلب الوصول لها السير مسافة 150 م او اكثر وقريبة من السياج الخارجي. فخيرتهم بين أخذنا ألى المرافق أو ألاضطرار لقضاء حاجتنا في نفس الغرفة، لأننا لم نعد نتحمل، وكان هذا مجرد استهزاء ولم أكن جادا، ولكن شرطة الامن كانوا يعرفون مكانة دائرتهم فوافقوا على أن نتبول فقط في داخل الغرفة!! فكنت أول ألمبادرين في رش بوله على جدران غرفة ألقلم السري لمديرية أمن كربلاء ثم تلاني والدي فهمست باذنه أنها بولة ستسجل في تأريخ مديرية امن كربلا وفي ظل حكم البعث الوحدوي!! وبعد أن بال رابع واحد منا منعوا ألاخرين من مهمة رش ألبول على جدران دائرتهم لأن رائحة البول انتشرت في الغرفة وأوعدونا بأنهم سيتحدثون مع مسؤولي ألحرس ألقومي.

مساء 9 شباط نقل جميع المحجوزين الى الغرفة الأكبر من غرف موقف مركز شرطة كربلاء. وأزدحمت غرفة ألمعتقل بالمعتقلين وتجاوز عددنا الثمانين، من مختلف قطاعات ألشعب من أطباء، معلمين، طلبة، عمال، محامين وفلاحين، ولم تعد غرفة المعتقل تستوعب اكثر من هذا العدد، فهذه الغرفة لم تستوعب في أصعب ألظروف، التي قضيت فيها أيام إعتقالي في عهد عبد ألكريم قاسم، اكثر من عشرين معتقلا. لذلك كان بعضنا يقضي ليله ساهرا متعلقا بالشباك الكبير والوحيد ذو ألرف المنحدر بدرجة 45، وهو غير مريح للجلوس بسبب انحدار رفه. كان ألبعض يفضل إحتلال هذا ألرف ألمائل ليقضي ليلته، مفضلا ذلك على نومه وسط هذا ألزحام، والبعض كان ينهكه ألسهر ويضطر لحشر نفسه بين ألآخرين ويستسلم للنوم. وكم مرة كنا نبحث عن أحدهم ولم نعثر عليه بسبب تكدس هذه ألأجساد ألبشرية على بعضها، وقد حدث هذا مع صكر ألنشمي، وهو طفل لايتجاوز عمره الخمسة عشر عاما اعتقل مع والده ألفلاح مهدي ألنشمي، ولم نعثر عليه إلا بعد أن مدد أحدهم ساقيه دافعا صكر فوق الاجساد المتكدسة، وصكر مازال يغط في نومه! كان ألوضع في ألموقف مزريا مع تزايد عدد ألمعتقلين، ولم يعد المكان يتحمل زيادة ألعدد، حتى أن ألموقف في أليوم ألثالث لم يعد يسعنا ونحن جالسين!


من اليمين انا واخي كفاح ووالدي وعمي محمد علي قبل اعتقالنا
اعتقل أخي الأكبر كفاح في اليوم الثالث، وكان يعمل مدرسا في ثانوية كربلاء للبنين، والذين أشرفوا على اعتقاله طلبته من الحرس القومي من بعثيين وقوميين. زاد وضع الموقوفين سوءاً عندما قرر أوباش الحرس القومي نقلنا أنا وأخي كفاح ومجموعة من الزملاء المعتقلين الى معتقل أخر لضيق المكان ولتهيئته للمعتقلين الجدد حيث ان الاعتقالات كانت مستمرة واعدادنا في ازدياد، قيل لنا أنه سجن بعقوبة، وقد أحضروا الباصات وقت الظهيرة وكانت عوائلنا متواجدة في باب المركز وبدأ صراخ الاطفال وغضب وبكاء النساء يتعالى، فأضطروا للتراجع. وهنا يحضرني موقفا مضحكا مؤلما، يؤشر الى قسوة ولآأخلاقية البعثيين والقوميين من افراد وقادة الحرس القومي وعدم احترامهم لأساتذتهم وكبار السن. كان من بين المعتقلين الاستاذ موسى الكرباسي وهو مدرس في الثانوية او دار المعلمين (لا أتذكر بالضبط)، وكان قادة الحرس القومي واخص منهم عبد الواحد شمس الدين(1) من بين المشرفين على عملية التسفير لأنه آمر الحرس القومي ومسؤول بالمنظمة وكان المسؤول الاول في حزب البعث، ولما تأخر الكرباسي لأنه لم يعثر على حذائه من بين عشرات الاحذية المكدسة، صرخ عبد الواحد حاثا استاذه السابق الكرباسي على الاسراع ليلتحق بالمنقولين لأن الباصات تنتظره، وكان منظر الكرباسي وهو يرتدي طقمه ورباط العنق وبقدمين حافيتن وبضخامة جسده يبعث على الحزن والاسف في ان يعامل التلميذ استاذه بهذه الطريقة المذلة! فقال له الكرباسي متوسلا: استاذ عبد الواحد قابل اخرج حافي، لم اعثر على حذائي؟؟؟ فرد عليه عبد الواحد صارخا : نعم اخرج حافي!!
يتبع
(1) عبد الواحد شمس الدين كان مسؤول حزب البعث في كربلاء وكان آمر الحرس القومي، وبعد انقلاب 18 تشرين الذي قام به عبد السلام عارف وتعرض حزب البعث لنكسة بسبب جرائمه، راجع الكثير من القادة البعثيين سياستهم وتجربة حكمهم الدموي في عام 1963 واتخذوا مواقف متباينة من تلك السياسة حتى ان البعض منهم ابتعد كثيرا عن حزب البعث، وسمعت ان عبد الواحد ابتعد وتعرض لمضايقات حزب البعث.
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb6.jpg‏ (12.5 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-24-2011, 05:08 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي

(6)


ذكريات الزمن القاسي
( 6 )

انقلاب شباط الدامي

محمد علي الشبيبي


كان تراجع الحرس القومي عن نقلنا وتسفيرنا خارج كربلاء مؤقتا ، ففي فجر اليوم الثاني في الثانية صباحا نقلنا الى مركز شرطة الحلة حيث كان بأستقبالنا صفين من الشرطة والحرس القومي وما أن نمر من بينهم حتى ينهالوا بالعصي علينا بعشوائية، وبشتائم تنم عن حقد دفين. أخبرنا بعض الموقوفون العاديون أن الوجبة التي سبقتنا بالأمس من المعتقلين السياسيين أجبرهم الحرس القومي على تنظيف المرافق الصحية وتفريغها من قاذوراتها وحلق شعر رؤوسهم، وذلك لإهانتهم!!. بقينا في موقف مركز شرطة الحلة حتى المساء حيث نقلنا الى سجن الحلة المركزي في قسم المعمل. كان الحرس القومي يتجنب نقل المعتقلين نهارا خوفا من ردود الفعل الشعبية، فكانوا يتسترون بظلام الليل في عمليات نقل المعتقلين.

القسم الذي نقلنا اليه صمم ليكون معملا للنسيج لتشغيل السجناء ثم اهمل المشروع. وهو عبارة عن ممر طويل ربما يتجاوز طوله 80 م وعرض لايزيد عن 5 م، في أحد أطرافه توجد حنفية ماء وحوض صغير وبجانبها تواليت واحد. ويقع المعمل على ما أعتقد بين السجن القديم والسجن الجديد ويشرف من الطرفين على ممر السجن الذي يطوق كل أقسام سجن الحلة. عندما وصلنا الى السجن كان الوقت ليلا ومعظم المعتقلين نيام وكانت القاعة مزدحمه بالمعتقلين فلم نجد مكانا نجلس فيه، فنهض أحدهم وقدم نفسه لنا، انه صاحب الحكيم (أبو بشرى) وهو كادر شيوعي من مدينة النجف، كان معتقلا قبل الانقلاب، وسبق وأن تعرفت عليه لاول مرة بعد ثورة تموز المجيدة عندما تم اطلاق سراح السجناء السياسيين، واطلق سراحه مع عمي محمد علي او جاء مرافقا له، وعانقته معتقدا أنه عمي.

بعد ان قدم صاحب نفسه لنا دعى المستيقظين إلى التراصف لتوفير مكانا للقادمين الجدد، وقد أحدث وصولنا جلبة وضوضاء فأستيقظ معظم النزلاء، وتحلقوا حولنا يستفسرون عن اخر الاخبار ولم نكن نعرف أكثر منهم لاننا من الذين اعتقلوا في الايام الاولى من الانقلاب المشؤوم. وتم تدبير مكان لنا وسط المعمل ( القاووش). كان القاووش مزدحما بالنزلاء من مختلف مدن الفرات الاوسط وحتى من بغداد، كان بيننا الطلبه، الفلاحين، العمال، الاساتذة، الاطباء، المحامين ومن جميع المهن وكان النصيب الأكثر للعسكريين من مختلف الرتب.

كنا نجلس طوال اليوم في هذا القاووش المزدحم ولامجال للمشي والحركة. التهوية كانت رديئة، فالشبابيك الوحيدة كانت على ارتفاع أكثر من 2.5م ولايمكن فتحها، فكان الهواء يدخل من الابواب الموجودة في طرفي القاووش والتي تطل على الممر الذي يطوق اقسام السجن. تجاوز عدد النزلاء السبعمائة معتقل، وسبب هذا العدد أزمة داخل القاووش، ففي أي وقت تحاول أن تغتسل أو أن تذهب للمرافق تجد أمامك عشرون أو أكثر ينتظرون قبلك في صف طويل. ولتوضيح الصورة المزرية التي عانيناها في ظل حكم البعث في شباط 1963 على القاريء ان يوزع 24 ساعة (ساعات اليوم) على المعتقلين (اكثر من 500) ليرى حصة الفرد للأستفادة من حنفية واحدة وتواليت واحد وسيجد حصة كل معتقل يوميا من الوقت للإستفادة من التواليت وحنفية الماء لاتتجاوز 3 دقائق باليوم ليغتسل بها ويقضي حاجته!!!! هذه الحالة المزرية التي كنا نعاني منها، من ازدحام السجناء وعدم توفر المرافق الصحية، عددا ونوعية، هذه الأوضاع المزرية أوحت للشاعر الشعبي الرائع لطيف بربن، من أهالي الحلة، بقصيدة شعبية رائعة صور فيها حياتنا داخل السجن وما نعانيه بأسلوب ناقد وساخر، تحدث فيها عن الازدحام وضيق المكان، عن التعداد وتصرف السجانة كعبدالله الشباب وأبو سبتي وغيرهم أثناء التعداد (المسطر) والمواجهات. مازلت اتذكر بعض ابيات تلك القصيدة، وربما سيتذركها من عاشوا تلك الفترة في سجن الحلة فينشروها او يرسلوها لي مشكورين لأدونها كاملة، فان مثل هذه القصائد توثق ما قدمه الشيوعيون وأصدقاؤهم من تضحيات ومعاناة وتصور حياتهم في السجون كما تصور همجية وحقد البعثيين ومن شاركهم من مدعين قوميين، وهذه بعض ابياتها:
مرحاض وحده والعدد نص الألف
بطنك تحير بيهه تگوم تفتر وتلف
..................
لو أجه الليل يصفطونه مثل تصفيط الهدوم
ولو تحرك شخص راح أمجانه (مكانه)
................
ومن يصيح الخفر مسطر ياشباب
نجَمَع ونضحك على عد عبد الله الشباب
...................

صورة جماعية لبعض المعتقلين الشيوعيين في سجن الحلة عام1964 ويظهر الاول من اليسار في
الصف الخلفي من الجالسين كاتب المذكرات وفي المقدمة الثاني من اليسار المعلم الكربلائي حسين
كانت الإعتقالات تجري بصورة عشوائية وبدون اية مقاييس سياسية. شملت الإعتقالات الشيوخ المسنين، وكنت أرى أحد الشيوخ في عقده التاسع، وعندما نسأله عن سبب إعتقاله، يقول: يتهمونني بأن لي ميلا يساريا، بينما انا اسير معتدلا ولا اميل لايسارا ولايمينا! ثم ينهض ويمشي امامنا ليثبت لنا أنه لايميل لأية جهة! وكان هذا الشيخ الطاعن بالسن ورغم ظروف اعتقاله يهتم بحلاقة وتحديد لحيته مستعينا بشفرة حادة وجزء من قصبة البردي دون ان يجرح نفسه، ونقف نحن الشباب نراقبه مدهوشين من قدرته على الحلاقة بهذه الطريقة البدائية!. أما أموري الطويل الذي اعتقل في اليوم الثاني من الإنقلاب في كربلاء، كرهينة بدل اخيه الأصغر حمودي، وحمودي لم يبلغ بعد ستة عشر عاما، بقي معتقلا حتى بعد ان سلم حمودي نفسه بضغط من والديه، ونقل معنا الى سجن الحلة. ولبساطته رفض ان يرتدي البجامة التي إستلمها من عائلته، لأنها من لباس السياسيين كما يعتقد وتثبت عليه التهمة وهو ليس بالسياسي، وكي يثبت عدم كونه سياسيا للحرس القومي الذين يزورون السجن ويقابلون السجناء من حين لآخر، حلق شعر رأسه وكشف عن آثار جروح في رأسه والتي تركتها ضربات السيوف في المناسبات الحسينية في عاشوراء، وكان يتقدم المعتقلين ليكشف عن هذه الآثار في رأسه للحرس القومي ويؤكد لهم أنه حسيني ويرفض إرتداء البجامة التي يلبسها السياسيون ولا علاقة له بالسياسة!! لم يسلم من إعتقالات الحرس القومي حتى الأطفال الذين اعتقلوا كرهائن بدل أبائهم او أشقائهم وتعرض الكثيرون منهم للتعذيب حتى الموت كما حدث للشهيد فاضل الصفار وعمره لايتجاوز ستة عشرسنة واستشهد أثناء التعذيب البربري امام أعين امه المناضلة نرجس الصفار وهو يرفض أن يرشد الحرس القومي لمكان إقامة أبيه (زوج امه) الشهيد الخالد جمال الحيدري.

في احد الأيام زج بمجموعة (4-6 لا اذكر) من شباب الديوانية، وكانت اعمارهم بين 16 و 19 عاما، وكانت اثار التعذيب والضرب على وجوههم. ولما تجمعنا حولهم مستفسرين، اخبرنا احدهم وهو شاب دون 18 عاما واسمه صبحي، انهم تأثروا كثيرا للتصفيات والاعدامات لقيادات الحزب الشيوعي وقد اغاضهم اكثر تبجح الانقلابيين بإدعائهم بالقضاء على الحزب الشيوعي وقيادته. فقررت المجموعة القيام بنشاط يثبت للقتلة ان الحزب مازال ينشط ولم يتمكنوا من القضاء عليه. أسسوا تنظيما حزبيا خاص بهم واختاروا قيادة بينهم، وتخليدا لقادة الحزب الذين استشهدوا وتحديا لسلطات شباط الدموية، اختاروا لأنفسهم نفس الاسماء الحزبية لقادة الحزب الشهداء مثل فهد وسلام عادل. نشطت المجموعة بين شباب الديوانية وجمعوا التبرعات من المتعاطفين مع الحزب، واستولوا على طابعة يدوية من احدى المدارس، واستفادوا من اذاعة بكي ايران التي يملكها حزب تودة الايراني وخصصت قسم من بثها للشيوعيين العراقيين (وسميت فيما بعد بصوت الشعب العراقي)، وسجلوا بعض البيانات والاخبار وطبعوها، ورموها في مقر الحرس القومي تحديا!!! يقول صبحي كنا نبحث عن صلة بالحزب لنسلمه المطبعة والتبرعات ولم نفلح، لأن جميع الشيوعيين اما معتقلين او مختفين. وانكشف سر الطابعة وبدأت اجهزة الامن والحرس القومي بالبحث عنها وقد اخفيت الطابعة في عربة بيع باقلاء تعود لوالد احدهم. ولكن نشاطهم لم يستمر طويلا سوى اسابيع، عدم التجربة عرضتهم للكشف والاعتقال. لقد شهد العراق في تلك الفترة المظلمة والدموية مبادرات فردية قام بها الكثير من الشيوعيين الذين تمكنوا من الإفلات من اعتقالات الحرس القومي، والكثير منهم بادر لتأسيس تنظيم شيوعي، واحيانا يكون في المدينة الواحدة اكثر من تنظيم ويتم توحيدها بعد التعارف والتلاقي والتأكد من عدم وجود مندسين بين هذه التنظيمات. وهناك امثلة لشيوعيين كانوا قد تركوا العمل الحزبي وابتعدوا عن الحزب قبل انقلاب شباط الدموي، لكن الحب الصادق والمتجذر بقلوبهم للحزب وإيمانهم بمباديء الحزب، حركهم واستعادوا نشاطهم الحزبي تحديا لسلطات انقلاب شباط ، وهذا ماكان يغيض القتلة ويرهبهم. واتذكر في تلك الفترة كتب الخائن مالك سيف مقالا نشره في الصحافة الرسمية يحذر قادة الانقلاب من عودة الشيوعيين لنشاطهم وقدرتهم على اعادة تنظيماتهم .

كان قادة البعث في كربلاء عندما يتحدثون معنا ونحن معتقلون يتسائلون بإستغراب عن سر حب الناس للحزب واستعدادهم للتضحية وتحديهم للسلطة، خاصة بعد ان لاحظوا عدم استعداد الفلاحين لأستقبالهم والأستماع الى توجيهاتهم ولا حتى التعاون معهم بالرغم من الإغراءات والتهديدات. وتحضرني حادثة سمعتها عام 1973 في بولونيا من احد طلبة الدراسات العليا وهو اكرم فهمي وهو منتمي لحزب البعث منذ عهد عبد الكريم قاسم ومازال حينها حزبيا، وكان في كل جلساته يتذكرها ويضحك حيث يصف لنا تحرك منظمة البعث في الناصرية بعد ان تسلموا السلطة عام 1963 وكيف كانوا يعانون من كره وعدم ثقة الجماهير بهم وخاصة الفلاحين، ويقول: في احد نشاطاتنا الجماهيرية كان علينا ان نجمع الفلاحين في مدينة الناصرية ونواحيها لحضور تجمع جماهيري في المدينة. وهكذا اخذنا اللوريات (سيارات الحمل المكشوفة) وتوجهنا للقرى والنواحي وحشدنا المئات منهم، واعطينا كل واحد منهم ربع دينار ووجبة طعام من خبز وبيض، وطلبنا منهم ان يهتفوا بحياة حزب البعث والثورة خلال سير السيارات على طول الطريق. وكانت سيارات الحرس القومي تتقدمهم، الى ان وصلوا مكان التجمع لاحظوا عدم وصول جميع السيارات، وقرروا العودة لمعرفة سبب التأخير، فوجدوا ان نقطة السيطرة في اول المدينة قد احتجزت مجموعة من السيارات بركابها من الفلاحين، ولما استفسرنا عن السبب اخبرتنا نقطة السيطرة ان الفلاحين كانوا (يهوسون) بإهزوجة ضد البعث وهي (خمسة بالشهر ماتو البعثية)، ولما استفسرنا منهم لماذا غيرتم الاهزوجة التي طلبنا منكم ترديدها؟ اجابو: والله ياستاذ ملينا من هذه الاهزوجة وعجبنا نرجع لهوسات ايام زمان! طبعا كان هذا الزميل البعثي يقص علينا هذه القصة وهو معجب بقدرة الحزب الشيوعي على اقناع الفلاحين ببرامجه وافكاره.

كنا في السجن نسمع بأعتقالات قيادات الحزب وحملات التعذيب البربرية وأغتصاب النساء حتى مدينة كربلاء والنجف المقدستين لم تسلم فيها النساء من الاعتقال والتعذيب، ففي كربلاء اعتقل الحرس القومي المناضلات نبيهة الزبيدي، بدرية يحيى النجار وفائقة وفليحة الطيار وام عادل واخريات وتعرضن للتعذيب. ومما شجع مسؤولي حكومة شباط الفاشية بالتمادي في اعتقال النساء وممارسة أبشع أنواع التعذيب معهن وأحيانا الاغتصاب هو مواقف المراجع الدينية المتفرج والمتشمت بكل أسف، لأن الحملة البربرية موجهة بالأساس ضد الشيوعيين وكانت بعض المراجع الدينية في النجف قد أصدرت فتاوي حاقدة ضد الشيوعيين وانجازات ثورة 14 تموز، مما اعطى انطباعا للأنقلابيين بأن المراجع موافقة على جميع انتهاكات الحرس القومي بما فيها القتل تحت التعذيب، وإلا كيف يفسر الصمت المطبق للمراجع، شعية كانت ام سنية، لجرائم التعذيب حتى الموت واعتقال وتعذيب النساء واغتصابهن وقتل الاطفال لأنتزاع اعترافات عن ابائهم. وقد ذكر عبد الغني الراوي احد المشاركين بالانقلاب الدموي انه استحصل على فتاوي من ثلاث مراجع تحلل قتل الشيوعيين لأنهم مرتدين، وذلك ليبرر عمليات الاعدام التي كان يخطط لها قادة انقلاب شباط من بعثيين وقوميين بحق الضباط الشيوعيين والديمقراطيين، ولم يكذب اي مرجع ادعاءات الراوي، وهذا يعني ان ادعائه صحيح. وعلى القاريء ان يتصور كم كان البعثيون والقوميون متعطشين لقتل وتصفية الشيوعيين بحيث ان عبد الغني الراوي كان متحمسا لتكليفه للسفر الى نقرة السلمان بعد حركة الشهيد حسن سريع لأصدار وتنفيذ حكم الاعدام بالضباط الشيوعيين بعد محاكمة صورية. ورفض السفر الى سجن نقرة السلمان لأن العدد الذي حدد له لتنفيذ حكم الإعدام بهم ثلاثين مناضلا، وكان عبد الغني الراوي يرى ان هذا العدد قليل لا يستحق السفر!! وكان يأمل بأن ينفذ حكم الأعدام بالعشرات منهم!! وبالتالي تخليه عن متابعة فكرة اللحاق بالسجناء بعد وصولهم سجن نقرة السلمان لتنفيذ مجزرة الموت !! (1). وفي النجف اعتقلوا ناشطات شيوعيات (مليحة الحكيم وشقيقتها) تربطهن صلة قرابة مع احد المراجع الشيعية البارزة ، وترجت عائلتهن من المرجع مستثمرة صلة القرابة به للتوسط للافراج عنهن من قبل الحرس القومي، فرفض المرجع التوسط لكونهن كما يزعم شيوعيات ملحدات ومرتدات يستحقن القتل!! ودشن إنقلابيوا شباط الدامي من بعثيين وقوميين عهدا جديدا في تأريخ العراق من القتل والإنتهاكات لحقوق الإنسان. واستمرت المجازر وخاصة في عهد البعث ايام حكم احمد حسن البكر ثم صدام بحق شعبنا العراقي وقواه الوطنية وحتى شمل القتل والتصفيات تحت التعذيب البربري العديد من المراجع الدينية بحجة العمالة لأيران.

بعد اعتقالنا أيام الحرس القومي بقيت عائلتنا المتكونة من والدتي وسبعة شقيقات دون رعاية رجل، في ظرف ساد فيه الأرهاب والتصفيات السياسية واعتقال النساء وتعرضهن للتعذيب والإغتصاب، وفقدت الوالدة المصدر المالي لإعالة العائلة، حيث كان مصدرنا المالي الوحيد راتب والدي فقط ، وكان راتب متواضع دون الستين دينارا بالرغم من خدمة الوالد الطويله في سلك التعليم ، فتأثرت واوقفت ترفيعاته بسبب الاعتقالات والفصل وسحب اليد خلال العهد الملكي ثم العهد الجمهوري. أما أخي همام فقد كان معلما في بغداد وفي نفس الوقت كان طالبا في كلية التربية، وكان احد قادة العمل الطلابي والحزبي في الكلية وقد ساهم بنشاط مع رفاقه وزملائه لكسر الاضراب الطلابي الذي قاده الاتحاد الوطني تهيئة لأنقلابهم الدموي، وكنا قلقين عليه بسبب غموض الوضع في بغداد وإنقطاع أخباره. وهكذا كانت والدتي هي المسؤولة عن شؤون البيت ورعاية بناتها السبعة وكانت أكبر شقيقاتي طالبه في الثانوية أما الصغرتان فلم تدخلا المدرسة بعد. وقد عانت الوالدة بسبب انقطاع مورد العائلة الوحيد وهو راتب والدي الشهري، وكان عليها أن تتدبر ايجار البيت البالغ 14دينار شهريا ومصروف البيت ومصاريف شقيقاتي ومعظمهن طالبات إضافة لمصاريفنا ونحن في المعتقل.

أخي الطيب الذكر همام في كلية التربية عام 1962
بعد انتقالي انا واخي كفاح الى سجن الحلة وبقاء والدي معتقلا في كربلاء، تعقدت وصعبت مهمة والدتي، فكان عليها رعاية بناتها وتوفير مستلزمات حياتهن اليومية وما تتطلبه مدارسهن وتوفير ايجار البيت اضافة لمصاريف الزيارات من كربلاء للحلة وتوفير المأكل الضروري لنا. كانت الوالدة تزورنا كل اسبوع مصطحبة معها قسم من شقيقاتي بالرغم من صعوبة وضعها المادي، وتجلب لنا الأغذية من كباب وكبة وبطاطة مسلوقة وطماطة وخبز مايكفي لإسبوع كامل، وتنتظر ساعات تحت أشعة الشمس المحرقة مع شقيقاتي في باب سجن الحلة ولم تتذمر أوتشكُ وكانت بمعنويات عالية، كان كل مايهمها ان توفر لنا الإطمئنان لكي نكون مستعدين لمواجهة تحقيقات الحرس القومي. كانت رحمها الله انسانة شجاعة ومكافحة وصبورة، وتنقل لنا اخبار مدينة كربلاء وما يحصل فيها من اعتقالات وأشاعات، كما كانت تخفي همومها ومعاناتها عنا وتحاول ان تدبر معيشة العائلة وتسديد ايجار البيت دون ان تتذمر او تشكُ. حتى أخي الأكبر كفاح المتزوج والمستقل في بيته مع زوجته، كانت والدتي هي المسؤولة الوحيدة عن وضعه في سجن الحلة وحتى في كربلاء وتزوده بما يحتاج من طعام وملابس وغيرها خلال فترة اعتقاله التي تجاوزت الأربعة اشهر، وحتى بعد الافراج عنه من المحكمة كانت والدتي واخي الراحل همام هما من دبرا له جواز السفر وبطاقة الطائرة لمغادرة العراق الى المملكة العربية السعودية للعمل.

يتبع
(1) د. علي كريم سعيد، العراق البرية المسلحة، حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 ص243 – 246 .
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb8.jpg‏ (21.4 كيلوبايت, المشاهدات 0)
نوع الملف: jpg shb7.jpg‏ (26.7 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-24-2011, 05:11 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي
( 7 )
محمد علي الشبيبي


المكتبة العامة مركزا للتعذيب

كنا نسمع ونتابع مواقف الرفاق والأصدقاء وما يتعرضون له من تعذيب. كان جهل الحرس القومي وقياداته، ورغبتهم في ممارسة التعذيب بسبب حقدهم الأعمى، يدفعهم لإستدعاء أيا كان واتهامه كونه حزبيا، ومطالبته بالكشف عن اسماء رفاقه. هذا ماحدث لعباس زغالي وهو عامل احذية بسيط، أستدعي عباس، في الأيام الاولى من إنقلاب شباط، وبدء التحقيق معه للكشف عن خليته وأسمه الحزبي. لم يكن عباس حزبيا وربما لم يكن صديقا منظَماً، ولم يعرف أن هناك عمل حزبي خلوي وأسماء حزبية. كان يجلس أمام محققيه من الحرس القومي مشدوها لايعرف عما يُسأل وبماذا يجيب. مارسوا التعذيب معه لينتزعوا الإعترافات منه، يحسبونه مسؤولا قياديا في منظمة الحزب، لأنه سار في مقدمة تظاهرة للاطفال والمراهقين ايام ثورة تموز استنكارا للمؤامرات الرجعية على ثورة تموز، وقد توقفت التظاهرة مستنكرة امام مكتبة الكلكاوي ذو التوجهات القومية، ولم تخلُ التظاهرة من هتافات كان يعتبرها البعثيون والقوميون بأنها استفزازية. يسألوه عن إسمه الحزبي، فيجيب: عباس!. يستمر التعذيب ويعاودوا السؤال، ويستنتج من إستمرار وقسوة التعذيب ومعاودة السؤال أن جوابه خاطئ، فيصحح الجواب لأرضائهم: ينادونني زغالي! ويتساءل بتوسل وبراءة طالبا الكف عن تعذيبه. وهكذا تحمل عباس زغالي التعذيب وهو لم يكن حزبيا ولاصديقا نشطا أومنظما، واعتقدْ كان من الأوائل الذين تعرضوا للتعذيب. كان يحدثنا ويضحك كيف كان افراد الحرس القومي الذين حققوا معه اغبياء وتعاملوا معه مثلما تعاملوا مع بعض الحزبيين القياديين. يقول عباس ساخرا من اسلوبهم الهمجي في التحقيق، كنت خائفا أن أموت تحت التعذيب، وانا لاأعرف شيئا عما يطلبونه مني، ويحسبونني حزبيا صلبا وقائدا، بينما أنا إنسان بسيط.
بعد مايزيد عن الشهرين من بقاؤنا في سجن الحلة نقلنا الى كربلاء فالتقينا بالوالد وبكثير من الاصدقاء. كانت غرفتا الموقف في مركز شرطة كربلاء مزدحمتين بالمعتقلين من الشيوعيين واصدقائهم ولم تعد تتسعا للمزيد. وعلمنا عند وصولنا من الحلة انه تم نقل مجموعة من الموقوفين ممن انتهى التحقيق معهم الى سجن الحلة لتوفير الأماكن لنا. وعرفنا حينها ان قيادة حزب البعث في المدينة قررت ان تستغني عن المركز الثقافي الوحيد في المدينة وهو المكتبة العامة وتحويلها الى مركز للتحقيق والتعذيب حتى الموت، كما حدث للشهيد عبد الأله الرماحي (هلول). وقد حدثنا حينها الزملاء الذين نقلوا الى بغداد لغرض التحقيق معهم، ان في بغداد تم تحويل ليس فقط المكتبات وانما حتى الملاعب الرياضية، وقد مورس ابشع انواع التعذيب مع المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين في ملعب الكشافة. وسيبقى هذا السلوك الاجرامي والبربري وصمة عار في تأريخ حزب البعث والقوميين العروبيين الذين حولوا المراكز الثقافية والرياضية الى مقرات للتعذيب والموت، بدل تطويرها أو إنشاء المزيد منها لتكن في خدمة المجتمع وتقدمه الحضاري. وقد استمر حزب البعث على هذا النهج البربري حتى بعد مجيئه للسلطة في عام 1968، حيث تكشفت للعالم جرائم المقبورعدي بحق الرياضيين واساليب تعذيبهم في المقرات الرياضية.
في المكتبة العامة تم تعذيب الشهيد عبد الأله الرماحي بطريقة همجية بشعة. كان الشهيد عبد الأله طالب طب يدرس في روسيا، وعرف عن الشهيد طيبته وهدوئه وحبه للناس. قدم من موسكو في العطلة الشتوية لزيارة عائلته فأعتقل واستشهد تحت التعذيب في المكتبة العامه بكربلاء. وقد نقل بعض المعتقلين ان الحرس القومي اثناء تحقيقهم مع عبد الأله طلبوا من المعتقلين بتزويدهم بشفرات حلاقة، وكثيرا ما كان افراد الحرس القومي يستغلون المعتقلين بطلب شفرات او صابون حلاقة واحيانا يطلبون حتى السكائر والكولونيا، ويعتقد البعض وهذا ما أعترف به بتبجح بعض افراد الحرس القومي بأنهم استعملوا الشفرات لتعذيب عبد الأله وذلك لتبضيع جسده ورش الملح على الجروح، كي يدلي بإعترافاته!! لم يتمكن عبد الاله، هذا الشاب الوديع الهاديء الدمث الاخلاق، من تحمل هذا التعذيب البربري واستشهد في نفس الليلة، واخفوا جثمانه الطاهر متمادين في جريمتهم. فالمجد والخلود للشهيد عبد الأله الرماحي والخزي والعار لقتلته من البعثيين والعروبيين.

مجموعة من الزملاء الكربلائيين (في سجن نقرة السلمان) الذين اعتقلوا بعد انقلاب شباط 1963 وحكم عيلهم
بخمسة سنوات وهم من اليسار سالم عودة، كاتب المذكرات، وسعد بدكت والجالس محمود الصافي
اثناء وجود المعتقلين في المكتبة العامة يهيأون ويخضعون للتحقيق، حيث يتم استدعاء المعتقل ليلا ويطلب منه بتدوين اعترافاته بتفصيل عن عمله الحزبي واعضاء خليته او لجنته الحزبية، واذا وجدوا ان المعتقل لا يتجاوب معهم او يحاول اخفاء بعض المعلومات، يؤخذ لممارسة التعذيب معه الى غرفة صغيرة لاتتجاوز مساحتها 2,5 متر مربع تقع بالقرب من المرافق الصحية، حيث تم تجهيزها بوسائل تعذيب من سلاسل لتعليق المعذب او توثيقه. ولما كانت المكتبة العامة تقع في مركز مدينة كربلاء حيث تكثر حركة الناس والمرور بمحاذاتها، وان اي صراخ للمعذبين يمكن للمارة بمحاذاة المكتبة ان يسمعوه وقد يثير استياءً واستنكارا، ومثلما وجد القتلة من حزب البعث أن المكتبة العامة وغيرها من المؤسسات الثقافية والترفيهية يمكن الإستغناء عنها وتحويلها الى مقرات للتعذيب، فأن تفكيرهم الفاشي اسعفهم وأبتدعوا طريقة للتغطية على صراخ وتألم المعذبين وذلك بإطلاق صوت المسجل وغناء ام كلثوم بأعلى صوته من خلال سماعات لتقوية الصوت، متظاهرين وكأنهم في حفلة طرب وسهر على انغام كوكب الشرق، فيختلط صوت ام كلثوم من جهاز التسجيل مع صرخات افراد الحرس القومي الهستيرية والحقودة مع تأوهات وهتافات وصرخات المعذب والخارجة دون ارادته، بينما يجلس بعضهم مخمورا ليتمتع بصوت ام كلثوم. وفي احدى المرات عندما كان افراد الحرس القومي يعذبون عامل البريد (ابراهيم ،للأسف لا أذكر اسمه الكامل)، ثم تركوه مسجى على الارض في شبه غيبوبة ليأخذوا قسطا من الراحة! وليعودوا لتعذيبه بعد ان يستفيق. لكن ابراهيم استفاق قبل ان يعودوا اليه ووجد نفسه في تلك الغرفة المغطاة بالدماء والسلاسل، واحس بالألم الذي تركه التعذيب البشع على جسده، اقدم كما يقول على خطوة انتحارية مع تحدي بطولي للحرس القومي، بأن حمل احدى العصي التي كانت بجانبه لتعذيبه بها وهجم على الحرس محاولا الهرب من المكتبة لكن محاولته بالتأكيد لم تفلح، وانتقموا منه شر انتقام بمضاعفة تعذيبه.
بعد الانتهاء من التعذيب يرمون المعذب علينا فيقوم الاخرون بأسعافه قدر المستطاع. كان المعتقلين الافضل صحة يقومون بمساعدة الكثيرين من المعذبين على الوقوف والمشي، فالتعذيب البربري المستمر من تعليق وضرب وكي في مختلف انحاء الجسم تكون سببا في عدم قدرة المعذبين على الوقوف والمشي اعتمادا على انفسهم. وفي احدى المرات استدعي احد المعذبين (اعتقد كان الفلاح كاظم ناصر) للتحقيق معه وتعذيبه مجددا، واخبروه اثناء التحقيق انه معاقب لكونه يسير بمساعدة زملائه في الصالة وامام الشباك المطل على الطريق العام كي يثير استياء الناس وهو في هذه الحالة السيئة. المقصود بالصالة هي صالة المطالعة الوحيدة في بناية المكتبة العامة، وتحولت الى صالة لتجميع المعتقلين الذين يتم استدعائهم من مركز شرطة كربلاء لغرض التحقيق، وكانت الصالة كبيرة قياسا لغرف موقف مركز الشرطة، وكونها صالة مطالعة كانت الأنارة الطبيعية فيها جيدة، حيث يطل احد جوانبها على الطريق من خلال شباك كبير بعرض الصالة ويمكن للمارة اذا ماتوقفوا مشاهدة اشباحا داخل الصالة ولا يمكن معرفة الشخوص بسبب التور المعدني الذي يغطي الشباك. كانت تمر ليالينا في المكتبة ثقال مملة ورهيبة ونحن نرى الرفاق والاصدقاء معرضين الى التعذيب وربما للموت لا لشئ سوى لانهم يؤمنون بمبادئ وافكار غير أفكار حزب البعث العروبية، او يرفضون كشف تنظيمات الحزب والاعتراف على رفاقهم. كان الجميع يعيش تحت ضغط نفسي كبير، ماعدا ثلاثة كانوا مرتاحين هناك بسبب ارتياح الحرس القومي لهم لتعاونهم لحد ما بالتحقيق والتأثير على معنويات الآخرين، حتى ان احدهم تطوع لنا بأنه قادر على الخروج لشراء الهريسة لنا للفطور الصباحي، واحيانا كان يحمل رشاشة يستعيرها من الحرس القومي ويستعرضها امامنا!!. كان بعض البعثيين يعاني من نقص ومرض نفسي وحقد دفين ورغبة في تعذيب المعتقلين ولا يرتاحون اذا لم يشاهدوا عملية تعذيب او يمارسوها. ونقل بعض المعتقلين في المكتبة ان كاظم الفرطوسي، وهو معلم قيادي في حزب البعث في كربلاء، نقل عنه زملائه من الحرس القومي، كيف أنه لم يتمكن من النوم في احدى الليالي لانه لم يعذب أحدا تلك الليلة، فاضطر أن يعود للمكتبه ويستدعي احدا ليشاهد تعذيبه ويصفعه بكفه ليفرغ حقده، بعدها أحسس بالراحة وعاد للبيت ونام مرتاحا!!
استدعي والدي لأكثر من مرة للتحقيق من قبل الحرس القومي، المرة الأولى استدعي لانه جمع تبرعات من بين زملائه المعتقلين لمساعدة بعض المعتقلين من فلاحين وعمال الذين انقطعت عنهم الموارد الاقتصادية. ووجهوا له تهمة جمع هذه التبرعات للحزب الشيوعي!! وانه كلف من الحزب بهذه المهمة!. ولم يتراجعوا من اتهامه والتحقيق معه إلا بعد أن انكشفت لهم تنظيمات الحزب في المدينة وتبين لهم ان والدي لم يكن حزبيا منظما، وان الحزب كان يعتمد عليه كونه وجها اجتماعيا ووطنيا لاغير. وبعد حملات التحقيق والتعذيب التي مارسها الحرس القومي مع الشيوعيين واصدقائهم من المعتقلين لتخييرهم بين الأعتراف وكشف اسرار الحزب او الموت تحت التعذيب مثلما حدث للشهيد عبد الأله الرماحي. كان والدي بحكم تواجده في المكتبة العامة كمركز وحيد للتعذيب، يحتك كثيرا بزملائه المعتقلين من الشيوعيين الحزبيين والاصدقاء ممن تم التحقيق معهم وتعرضوا للتعذيب ويستمع لهم وهم يقصون عليه اساليب التعذيب وطريقة الحوار معهم، وكان الجميع يكن لوالدي الاحترام ويستمعون الى ملاحظاته ونصائحه. وكان يشد من عزائمهم ويدعوهم الى الحفاظ على اسرار الحزب والصمود امام المحققين وعليهم تحمل التعذيب والصبر. لذلك استدعي للتحقيق معه لأن بعضهم وصل به الضعف فأوشى بالوالد. فكان الحرس القومي عندما ينتهوا من تعذيب أحدهم يدفعون به الى صالة المكتبة العامة والتي تحولت الى (قاووش) للنوم والمعيشة اليومية، ويقولون له اذهب الى علي الشبيبي ليعلمك الصمود. وآخر استدعاء للوالد كان للتحقيق معه بحضور محقق، وكان التحقيق معه حول مجموعة مقالات كتبها الوالد ونشرها في اتحاد الشعب وصوت الاحرار و14 تموز، وكانت المقالات تتناول الاحداث السياسية والمؤامرات التي كانت تحاك ضد ثورة 14 تموز. وقد ركزوا في التحقيق مع الوالد على عبارات تكررت كثيرا في كتاباته من قبيل، ادانة المؤامرات التي تحاك ضد ثورة 14 تموز وادانة المتآمرين والمطالبة بالأقتصاص منهم، وتوقفوا في احدى مقالاته حيث جاءت فيها عبارة (بعض القوميين والبعثيين المتأمرين غير الشرفاء ....) واتهموه بانه يصف البعثيين والقوميين بالخونة وغير الشرفاء، وتمكن الوالد بما هو معروف عنه بلباقته وتمكنه من اللغة العربية بأن يقنعهم أنه لم يعمم ذلك وانما ذكر المستثنى منهم وهؤلاء الخونة وغير الشرفاء موجودين بين كل الاحزاب. وهكذا تخلص منهم خاصة ان التحقيق معه تم بحضور محقق قانوني وكان يعرف الوالد شخصيا.
في المكتبة العامة، مقر التحقيق والتعذيب، كانوا يسمحون بالزيارات والطعام وكانت شقيقاتي يتناوبن في احضار الطعام للوالد في المكتبة، وبالرغم ان المكتبة كانت مركز التعذيب الوحيد في كربلاء إلا أنهم كانوا يسمحون بالزيارات واحضار الطعام اكثر مما هو في مركز الشرطة. كان الوالد يعاني من الضغط النفسي بسبب تواجده في مركز التعذيب وهو يرى كيف يعذب الشباب وكيف تحول هذا المركز الحضاري الى مركز للهمجيه والسادية البعثية والتعذيب للشباب، فيفضفض عن همومه ومعاناته بكتابة الشعر على ورق رقيق يحصل عليه من علب السكائر، وقد كتب احدى قصائده يصف فيها حال المكتبه ونزلائها من المعتقلين يقول فيها:


قولي لامك انني اقضي الليالي في عذاب
ويحوطني حرس غلاظ في بنادقهم حراب
.........
واذا سجى الليل الثقيل كأنه يوم الحساب
هوت العصي على جلود الابرياء من الشباب
فيعلقون ويجردون من الثياب
والسوط قد خلف اليراع وعنه بالتعبير ناب
..........
نيرون عاد بك الزمان لكي تشيع بنا الخراب
والحق اكبر من أن يداس وان يمرغ بالتراب
هذه بعض الابيات ولسوء الذاكرة نسيت معظم أبياتها وارجو ان يكون الوالد قد دونها في مخطوطاته الشعرية.
في موقف مركز شرطة كربلاء والذي لاتتجاوز مساحته 30م² من ضمنها 1.2م² يحتله حوض وحنفية ماء للإغتسال وحولنا الحوض الى حمام نستحم فيه صيفا لنتبرد بالماء وتنظيف اجسادنا، وقد استحممنا فيه حتى في الشتاء، وكان البعض يتبول في الحوض اضطرارا، وخاصة المصابين بالسكر. كان المتحمم يسحب الستارة التي تحيط بالحوض ليتحمم. لكن الجو العام في الموقف والضغط النفسي الذي يعاني منه معظمنا، جعل الكثير منا يبحث عن النكتة والمزاح حتى وان كانت على حساب زميل آخر، وكان الكل يتقبل ذلك. كان من بين المعتقلين الشيخ صالح هادي، وهو بصير يضع على رأسه الكشيده وهو من عائلة دينية، انتمى للحزب الشيوعي وتعرض للاعتقال في العهد القاسمي وسبق وكنت معتقلا معه أيام الحكم القاسمي، لحيازته على صحيفة طريق الشعب. وكان بعض الزملاء يعجبهم التمادي معه بالمزاح عندما يريد الإستحمام. فما أن يدخل الى وسط الحوض ويسحب الستائر ويبدأ بغسل جسمه والاستحمام، يقوم البعض مازحا معه بكشف الستارة والمزاح معه وهو في وسط الحوض يستنجد بالاخرين لنهي الممازحين، فيغتاض الشيخ ويصرخ ويعاتب ويترجى، ويتكرر هذا المشهد كلما استحم الشيخ، هذا لايعني أن هذا المزاح لايحدث مع الاخرين، ولكن مع الشيخ صالح كانت له نكهة خاصة. لجأ صالح لوالدي لينقذه من هذا المزاح، فأقترح عليه والدي بأن يبادر للأستحمام دون أن يسحب الستارة وأن يتركهم يمزحون معه بكل حرية وان لا يفقد هدوئه وصبره الى أن يملّوا ويتعبوا، وسوف يتركون عادة المزاح معه لأنها تفقد نكهتها وهي اثارة غضبه. استحسن الشيخ الفكرة ونهض ليختبرها، وسأل هل يوجد من يريد الاستفادة من الحوض، الكل أجاب لا تفضل شيخ، فهم ينتظرون فرصتهم. دخل صالح للحوض دون أن يسحب الستارة وأخذ يخلع ملابسه، فتعالت الاصوات ممزوجة بالضحك تذكره بالستارة، ولم يأبه لملاحظاتهم وطلب منهم مازحا أن يتقربوا منه لمداعبته كما يفعلوا في كل مرة. تفاجأ الجميع وتسابق البعض ليتحقق من جدية الشيخ، وبقي صالح هادئا، وما أن عجزوا عن إثارته حتى عاد كل واحد لفراشه. بعد هذا العرض أستحم صالح بهدوء وهكذا كان في المرات القادمه بحيث كان يستحم مطمئنا بوجود الستارة أو بدونها. كان الشيخ صالح يحاول ان يضفي جو من الضحك والبهجة بين الزملاء، فكلما اراد حلاقة لحيته يستعير مرآة، فيثير استغراب زملائه وتساؤلهم عن حاجته للمرآة وهو البصير! ويحاول تقليد الاخرين في حركاتهم امام المرآة عند الحلاقة مدعيا انها تساعده في تحديد شاربه ولحيته!!
كانت ظروفنا الحياتية في الموقف قاسية، المعاملة كانت سيئة وللأسف أن المسؤولين في مركز شرطة وأمن كربلاء يتمادون في ضغوطهم علينا إرضاء للقيادات البعثية. كانوا يسمحون لنا بالخروج الى المرافق الصحية مرتين باليوم، صباحا قبل الدوام الرسمي ومساءً بعد انتهاء الدوام. كانت المرافق معزولة عن أبنية مركز الشرطة وتقع بمحاذات السياج الجانبي لمركز الشرطة اي في الساحة الخارجية، ويقتضي الوصول لها السير عبر ممرات المركز وحتى الساحة مسافة (100 – 150) م. وكان خروجنا للمرافق الصحية يعتبر فرصة لنا للقاء عوائلنا ومعارفنا والتحدث معهم وهم ينتظرون خارج مركز الشرطة خلف السياج الخارجي، والذي يبعد عنا مسافة مئة متر تقريبا. كما كنا نعتبر الخروج الى المرافق فسحة لابد منها فالمسافة التي تفصل بين الموقف والمرافق ذهابا وايابا تعتبر بالنسبة لنا فسحة جيدة، إضافة الى خروجنا للهواء الطلق والتمتع بمراقبة حركة الشارع والناس من خلال السياج، و حتى المارة في الطريق المحاذي للمركز يتوقفون ويحيوننا من بعد عبر السياج الحديدي، وهو سياج من قضبان حديدية لايحجب الرؤية. كان الشرطة من الحرس يضغطون علينا للإسراع بينما كنا نتقصد تأخير انفسنا حتى داخل المرافق كي نعطي فسحة مناسبة لتحدث زملاؤنا مع عوائلهم التي تقف خلف السياج، لكن الشرطة المرافقين لنا كانوا يطرقون الأبواب علينا بإستمرار وهم يطالبوننا بالإسراع والخروج، وقد تعودنا على تصرفاتهم هذه ولم نأبه لذلك. وفي أحد الأيام سأل والدي العريف كاظم كريطي وكان دائما فضا معنا، لماذا يتصرف معنا بهذه الفضاضة فأجاب كاظم: استاذ أنا إسمي مكتوب بالتأريخ، ألم تسمع بيَ؟!! فرد عليه الوالد ساخرا، الشمر اللعين ايضا كتب أسمه بالتأريخ. وكان هذا الشرطي من الغباء ولم يفهم معنى ما قاله الوالد فلم ينزعج من الوالد بل تفاخر!
يـتـبـع
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb9.jpg‏ (27.5 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-24-2011, 05:14 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي
( 8 )
محمد علي الشبيبي


أعتقال اخي همام


أثناء وجودي في مركز شرطة كربلاء، قام ألحرس ألقومي بتجميع كل ألطلبه ألمعتقلين في ألقاعه ألاكبر. ألقصد من ذلك ألتهيأة لأول انتخابات طلابية في زمن حكومة البعث الدموية والتي وصلت للسلطة بعد انقلاب شباط 1963. فقد كان ألصراع على أشده بين ألبعثيين والقوميين للسيطرة على قيادة الاتحاد الوطني. لم يكن البعثيون واثقون من فوزهم في الانتخابات، لذلك قرروا إشراكنا في عملية ألتصويت لكسب اصواتنا. ولتمرير مخططهم هذا، قام بهذه المهمة بعض ألضعفاء من بين ألمعتقلين وبتشجيع من ألمسؤولين ألبعثيين بالدعاية لمرشحي حزب البعث. وكان هؤلاء الضعفاء من الذين كانوا مقيمين بصورة شبه دائمة في المكتبة العامة، حيث اوكل لهم البعثيون مهمة التأثير السلبي على العناصر التي ترفض كشف اسرار الحزب والتعاون مع الحرس القومي، وقد احضرهم الحرس القومي موقتا الى موقف مركز شرطة كربلاء ليلعبوا دوراً دعائيا للتصويت لمرشحي حزب البعث، مبررين ذلك بان البعثيين أقل دموية من القوميين ولابد من مساعدة ألعناصر ألبعثية للفوز!. كان الوضع حرجا فاي مناقشة لهذا الراي يعني استدعائك للتحقيق وربما للتعذيب، كما أن أصحاب هذا الرأي كانوا من الذين ضعفوا وابدوا تعاونا مع الحرس القومي، حتى أن أحدهم كان يحمل رشاشة يستعيرها من ألحرس ألقومي ويستعرضها أمامنا في مقر ألتعذيب في ألمكتبة. لذلك قررت وبالتفاهم مع بعض ألطلبه أن لانصوت ونقاطع الانتخابات ونرمي أوراق ألاقتراع بيضاء. وبالنسبة لأفضلية البعثيين على القوميين بإعتبارهم اقل دموية لم يكن سوى دعاية بعثية، فنحن الذين عشنا في معتقلات انقلابي شباط نعرف جيدا ان 95% من ممارسي التعذيب كانوا من البعثيين وبإمرة قيادات بعثية. وبالمناسبة فان الكثيرين من قادة حزب البعث في تلك الفترة الدموية عندما راجعوا سياساتهم الدموية واكتشفوا بعد سنوات هول الجرائم بحق الشرفاء من ابناء شعبنا، حاولوا في كل دراساتهم وانتقاداتهم للفترة الدموية ان يحملوا القوميين والراحلين من رفاقهم مسؤولية تلك الجرائم، ومثل هذا الطرح جاء بمذكرات طالب شبيب والفكيكي وحازم جواد ودراسات الدكتور الراحل علي سعيد وغيرهم، بينما جميع من عاش فترة الحكم تلك وعاش التحقيق والتعذيب يعرف جيدا ان المشرفين على كل تلك العمليات هم البعثيون وبعلم وتوجيه قياداتهم الحزبية، كما انه لم يتخذ اي واحد من هؤلاء موقفا حازما وجديا من تلك الانتهاكات والجرائم في وقتها بالرغم من انهم قادة في القيادة القطرية لحزب البعث. ومع كل هذا تبقى دراساتهم وانتقاداتهم، مع كل ماجاء فيها من تبريرات، واتهامات متبادلة لتحميل الاخرين من رفاقهم مسؤلية الجرائم وتبرأة الذات، دليل لايقبل الشك على إدانة لاتقبل الجدل على دموية حزب البعث ورفاقهم من قوميين حكموا العراق في تلك الفترة المظلمة.

في اليوم المقرر للانتخابات جاء بعض أفراد الحرس القومي من ألطلبة البعثيين و القوميين، وأتذكر منهم عبد الحسين الكيشوان وهو احد الطلبة البعثيين، وطلبوا منا ألتصويت بعد أن جمعونا في غرفة مدير ألشرطة او معاونه، وتحدثوا عن ديمقراطيتهم المزعومة وطلبوا منا ألتصويت بكل حرية!. قررت ان اكون اول المبادرين في رمي ورقة التصويت في الصندوق بيضاء، وتقصدت ان يكون ذلك علنيا وامام انظار الجميع تحديا وكي اعطي دفعا لزملائي في حذوي وعدم التراجع بما اتفقنا عليه. وعندما سألني عبد الحسين الكيشوان متظاهرا باللابالية والمزاح وهو زميلي في الاعدادية ، وكان احد أعضاء اللجنة ألمشرفة على ألأنتخابات، عن سبب إمتناعي عن ألتصويت قلت له: هل يمكن للسجين ان يصَوت لمن يزج به وبعائلته في ألمعتقل!! كان ألأحرى بكم ان تتبنوا مسألة اطلاق سراحنا لمواصلة دراستنا قبل ان تطلبوا منا المشاركة بالانتخابات، ثم انكم قلتم يمكننا ألتصويت بكل حرية وانا قررت موقفي.

اصبحنا نحن الثلاثة، انا ووالدي واخي كفاح، سوية معتقلين في مركز شرطة كربلاء واحيانا يتم تفريقنا بنقل احدنا الى المكتبة العامة. اما اخبار اخي همام فكانت مقطوعة عنا لأكثر من شهرين وقلقنا عليه كثيرا، فقد كان عضوا في أللجنة القيادية لمنظمة الحزب الشيوعي في كلية التربية وكان وجها معروفا ونشطا، وبرز اكثر خلال نشاط أتحاد ألطلبه ألعام سوية مع منظمة الحزب الشيوعي و القوى الديمقراطية للعمل من أجل إحباط ألاضراب ألطلابي ألذي قاده حزب ألبعث بالتعاون مع ألقوى ألقومية والاسلامية والرجعية، وكان هذا الاضراب تمهيدا لانقلاب شباط الدموي والذي باركته الدوائر الاستعماريه. لم تكن للوالده أية وسيله للبحث عن أخي، خاصة بعد ان شاهدت وسمعت بحملات الاعتقالات والتعذيب والاغتصاب. فضّلتْ الوالده السكوت وعدم البحث عنه، خوفا من ان تصطدم بمفاجئة وفاجعة تسبب مأساة للعائله، في الوقت كانت العائله بحاجه الى التماسك. كانت تقول لنا كلما سألناها هل من اخبار عن أخي؟ تجيب ان همام عايش وهو بخير وهذه شدة ولابد ان تزول، وعندما تظهرعلامات ألقلق على أي واحد منا كانت تبادر وتقول وبلهجتها الشعبية ان شعور ألام لايخطأ وتعقب لقد طلبت من أبي ألفضل العباس أن يحرسه ويحميه. هكذا كانت تهدؤنا وتحاول ان تبدد قلقنا كلما سألناها عنه أثناء الزيارات.


أخي همام طيب الله ثراه عندما كان طالبا في
كلية التربية في بغداد 19/8/1962
كانت والدتي يرحمها ألله صبورة ومكافحة وتعاطفت مع والدي وساندته ووقفت ألى جانبه وقاسمته شظف العيش بحلوه ومره ولم تتذمر. هكذا عاشت أم كفاح مكافحة من أجل أن يبق زوجها وأبناؤها صامدين مرفوعي ألرأس وليواصلوا مسيرتهم النضالية بعزم. رغم بساطتها وعدم إهتمامها بالسياسة كونها امية، كانت ذات قدرة عالية في قراءة ألمستقبل ألسياسي. كانت دائما تحذرنا من ألوضع أيام حكم الراحل عبد ألكريم قاسم، وتقول لنا: سوف ينقلب او يسقط وتكون ألنتائج مأساوية على الشعب. ورغم تحذيراتها التي تحققت في إنقلاب 8 شباط الدموي، لم تعاتبنا او تحملنا مسؤولية ألسير بهذا الطريق الوعر، فتشد من عزائمنا وتدبر امور البيت ألمعاشية وترعى بناتها وتقابلنا كلما سنحت لها ألفرصة مبتسمة قوية صابرة. وعندما نعتذر منها لما سببناه من متاعب لها تحدثنا بفخر كيف وقفت ألى جانب والدي أثناء فصله من ألتعليم سنة 1945/1946 بسبب نشاطه في الحزب الشيوعي وقيادته لمحلية النجف، وكيف كانت تجرش ألماش بالطاحونة اليدوية (الرحة) وهي حامل في أشهرها ألأخيرة، وتقضي ألنهار والليل لتهيأة مستلزمات محل ألعطارة الذي فتحه والدي لإعالة ألعائلة. وتقول رغم مابذلته من جهد مجاني لأقلل من تكاليف ألبضاعة ولأرفع من أرباح المحل، فقد خسر محل الوالد ولم يتمكن من تسديد مصاريف المحل، بسبب طيبة ألوالد وعدم تصرفه بعقلية ألتاجر، وكل مبيعاته لرفاقه دينا ومعظمهم أسوء حالا منا.

اطلق الحرس القومي سراح مجموعة من المعتقلين من الذين انتهى معهم التحقيق ولم يجدوا فيهم اية خطورة. وكان من بين هؤلاء الفلاح (حسين .....). اعتقل حسين مع مجموعة الفلاح مهدي النشمي المسلحة التي جاءت يوم الانقلاب تنفيذا لتوجيهات المنظمة الحزبية في كربلاء. واثناء التحقيق معه من قبل الحرس القومي لمعرفة حقيقة نواياهم وخطتهم ومن الذي وجههم، ابدى هذا الفلاح البسيط ذكاءً وبرود اعصاب مفرط امام عنجهية وبربرية الحرس القومي. وكلما جلس امام محققيه من الحرس القومي تحدث معهم بكلام فارغ وغير مترابط لم يفهموا منه شيئا!! ويعذبوه ويطالبوه بعد كل جولة تعذيب ان يقص عليهم بالتفصيل، من الذي كلفهم بالمهمة، وماهي تفاصيل مهمتهم، ومن هم بقية رفاقهم وغيرها من اسئلة. وكان حسين يجلس امامهم متمثلا بالفلاح الساذج الذي لايفقه شيئا، وفي كل مرة يتحدث فيها مجيبا على اسئلتهم بإسلوب اللف والدوران بحيث لايتعدى كلامه سوى بضعة كلمات مكررة وخالية من اي معنى، من قبيل: (عيوني اجونه الجماعة، عيوني ونزلنا للمدينة، عيوني وركبنا السيارة، عيوني جمعونه الجماعة، عيوني ومشت السيارة، عيوني و.....و.....و.....). وعندما يسألوه من هم الجماعة؟ يجيب الفلاحين! ومن هم الفلاحين؟ بجيب اهل المنطقة! هل تعرفهم؟ نعم! من هم؟ هم الجماعة، أخبرتكم عنهم منذ قليل!! وهكذا كان التحقيق من قبل الحرس القومي مع هذا الفلاح البسيط متعبا ويدور في دائرة مفرغة، حتى قرروا في النهاية اطلاق سراحه. لكن حسين اعتقل مجددا بعد شهرين ومورس معه التعذيب بسبب انتمائه لتنظيمات الحزب التي تم تشكيلها مجددا، اي انتمائه للتنظيم الجديد للحزب. حيث كنا نطلق مصطلح التنظيم الجديد، على التنظيمات الحزبية التي بدأت تنهض للقيام بأستعادة نشاط الحزب.

في يوم من ايام ايار تفاجأنا بزيارة ألوالدة، وكنا حينها في المكتبة العامة. كان وجهها بشرا باسما، واثار الهموم التي تركتها أحداث ألانقلاب على محياها اختفت، حظنتني وقبلتني وهي تهمس بأذني أخوك همام بخير ويخصكم بالسلام، وكانت دموع ألفرح تسيل على وجنتيها!. بعد ان هدأناها انا وابي محاولين أن نفهم عن مصدر ألخبر ومصداقيته. حدقت في وجوهنا وهي تمسح دموعها قائلة الم اقل لكم اني سلمت همام أمانة بيد أبا الفضل العباس لينقذه من هذه ألأزمة. ثم أخبرتنا كيف أرسل عليها جارنا ألبقال حميد بن حلوة للدكان وألتقت بدكانه بشاب اخبرها انه قادم من همام وهو بخير ويطلب مرافقته للقاء به. قررت الوالده زيارته بحذر لان الحرس القومي في كربلاء سألوا عنه أكثر من مرة وأجابتهم الوالدة بان أخباره مقطوعة وربما يكون قد استشهد اثناء ألمقاومة في بغداد وهكذا كان الكل حتى ألاطفال يجيبون بهذا ألجواب كلما سألهم أحد ايا كان، هكذا تجنبنا مضايقات واستفسارت الحرس القومي واكتفوا باعتقالنا.

نجح اخي همام من محاولة القبض عليه في شقته ليلة اليوم الثاني من الانقلاب. عندما سمع طرقا على ألباب وكان معه في البيت رفيقه الشهيد فاضل حسن وتوت(1)، وسمعا ضجيج وتهديدات ألحرس ألقومي، قررا ألهرب عبر ألسطوح متجاوزين عدة بيوت كل واحد باتجاه. كان اخي بالبجامة وأضطر أن يبق طول تلك ألليلة ألباردة حد ألانجماد من ليالي شباط فوق أحد السطوح بعيدا عن شقته. في الصباح سمع أهل البيت يتحدثون عن المأساة التي حلت بالعراق وبشاعة جرائم الانقلابيين، فاطمأن اليهم وقرر كشف نفسه أمامهم وطلب مساعدتهم. أعطوه ملابس ومبلغا وزنبيل لكي يتظاهر انه ذاهب للتسوق. قرر أن يخاطر ويذهب مشيا من باب الشرقي الى ألكاظمية ليلتحق بالمدرسة ألابتدائية التي يعمل فيها. كان مدير المدرسه ومعظم المدرسين من العناصر الديمقراطيه ويمكن الاطمئنان اليهم. كان ظنه في محله فقد سهل له معلم الرياضة إمكانية ألمبيت في غرفة الرياضة، مستفيدا من الملابس الرياضيه كفراش وغطاء. ثم ساعدوه لايصال أخباره لنا، طالبا من الوالده ان تبعث له خالتي ام هناء طيب الله ثراها لتعيش معه بعد ان تستأجر بيتا قريبا من المدرسه. هكذا انتقل من السكن المقلق (المدرسة) والمثير للشبهات الى شقة صغيرة بأثاث بسيط ليعيش فيها مع خالته. قررنا عدم الاكثار من زيارته وان تقتصر الزيارات على النساء فقط. وتمكنت خطيبته سهيلة محمد نصيب والتي أصبحت زوجته فيما بعد من زيارته في شقته، وحدثته كيف أن ألطلبة والحرس القومي في ألكلية بعثوا عليها للتحقيق لمعرفة أخباره، وانها تمكنت من التهرب منهم بعد ان أخبرتهم بأن اخوتها منتمون لحزب البعث في ألبصرة وهي لاتعرف شيئا عنه وعلاقتها به لاتتعدى حدود ألزمالة.

في يوم من ايام حزيران 1963 اطلق سراح عدد غير قليل من المعتقلين وكنا نحن الثلاثة من ضمن المفرج عنهم بكفالة. خرجنا على ان نأتي بالكفيل خلال ثلاثة أيام. وبدأت رحلة البحث عن كفيل فكان الخوف المسيطر على الناس سببا في عدم تمكن الوالد من العثور على كفيل كان شرط ان يكون الكفيل عضوا في غرفة التجارة وان يكون متمكنا من كفالة ثلاثة اشخاص، سببا في صعوبة إيجاد مثل هذا الكفيل. وبعد ان عجز الوالد خلال يومين من ايجاد من يكفلنا، حتى أن بعض الاصدقاء للأسف اعتذر عن كفالتنا بحجج واهية وغير مقبولة، حينها لجأ والدي الى رئيس غرفة تجارة كربلاء ألسيد هاشم نصر الله طيب الله ثراه، وكان انسانا شهما، فاتصل باحد التجار وطلب منه أن يكفلنا وهكذا اصبحنا احرارا الى ان تم اشعارنا بيوم محاكمتنا في بداية حكم عبد السلام عارف بدعوى واحدة.

اما بالنسبة لاخي همام فقد بقي شبه متخفي، حيث انقطع نهائياعن الدوام ولم يواصل دراسته الجامعية في كلية التربية، بينما استمر على ممارسة عمله كمعلم في المدرسة. وبعد حركة الشهيد حسن سريع القي القبض عليه في مدينة الكاظمية، ضمن الحملة التي شنها حكام شباط والتي شملت الكثيرين. كان الحرس القومي لايعرفون عن اخي سوى انه معلم ابتدائية ولا تتوفر لديهم معلومات عن نشاطه الحزبي في كلية التربية، وقد تدخل مدير مدرسته ألجديد ألقومي الميول لصالحه، بعد ان كسب اخي صداقته وثقته، وساعده المدير كثيرا لتجنب ممارسات التعذيب والتحقيق الفض معه من قبل الحرس القومي. وتعرف والدي على مدير مدرسة أخي، ولاحظ دماثة خلقه وثقافته وتفكيره السياسي فكان يختلف كثيرا عن اقرانه من قوميين وبعثيين، ووجده انسانا طيبا لايفكر بأذية احد حتى وأن أختلف معه سياسيا، حتى كسب ثقة الوالد، وهذه الثقة شجعت والدي على كتابة رسالة لأخي يشد من عزيمته ومعنوياته ويحثه على الصمود، وطلب من المدير ان يوصل الرسالة لأخي، وهو متيقن ان الرسالة ستصل من دون رقابة لثقة الحرس ألقومي بالمدير. لكن الحرس لم يمرر الرسالة دون الاطلاع عليها، مما سببت لأخي متاعب من تحقيق وتعذيب لتفسير ماورد بالرسالة من معنى وما هو قصد الوالد بالصمود والموقف الشجاع. تمكن اخي من اقناع الحرس ان القصد من كل ذلك ان ابق متماسك مادمت بريء وغير مذنب وساعده في ذلك تدخل مديره حيث أكد لهم حسن نية الوالد كونه سلم الرسالة مفتوحة للإطلاع عليها. عرف عن أخي الراحل همام دماثة اخلاقه، وحبه للنكتة، وقدرته على بناء علاقات طيبة وواسعة حتى مع من يختلف معهم، كان اجتماعيا من الدرجة ألاولى. وتمكن خلال وجوده في مقر الحرس القومي من عقد علاقات صداقة مع بعض المتنفذين في المركز وقد ساعده على ذلك مديره وبعض الهدايا التي قدمها لبعض افراد الحرس القومي الى اقناع المسؤولين باطلاق سراحه بعد اقل من شهرين من الاعتقال.

في يوم من أيام اب وبعد زيارة الوالد لأخي همام في بغداد وكنا في انتظاره مساءً حيث اخبرنا كعادته بموعد عودته، حيث اعتاد ان يكون في البيت قبل الثامنة مساءً. ساد الوجوم على الكبار من في البيت لتأخره وقد تجاوزت الساعة العاشرة مساءً. الوالدة ونحن كنا في حيرة، من نسأل عن سبب تاخر ألوالد، فأخي مازال معتقلا، ولا يوجد احد من معارفنا في بغداد يمكن الاتصال به تلفونيا للاستفسار عن والدي، فربما اضطر للتأخر لزيارة معارفه ولو ان هذا الاحتمال ضعيف جدا لأنه يعرف ان تأخره يسبب لنا قلقا. لم تدم حيرتنا طويلا فقد دخل علينا ألوالد لكنه فاجأنا بمنظره، فهو ألذي يعتني بنفسه وملابسه، بدى وكأنه قادم من شجار مع عصابة من السراق، اثار لكمات على وجهه تركت ورمها على تقاطيع وجهه وبقع الدم صبغت قميصه وكانت ازراره مقطعة وبان صدره، وحتى الفانيلة كان عليها بقع الدم. أسئلتنا لم تعطه وقتا للإستراحة، جلس قبل ان يغير ملابسه على خلاف عادته وطلب منا ان نهدء وان نتركه ليستريح. بعد ان شرب كأساً من ألماء حدثنا بما جرى له بمرارة والم. اثناء عودته من بغداد بسيارة اجرة 18 راكب كان يجلس بجانبه رجل كهل، لم يسبق لوالدي ان إلتقاه سابقاً. الرجل كان يحاول ألحديث مع والدي الذي كان حذرا من التحدث مع شخص لايعرفه في السيارة وفي ظروف يُحكم فيها ألعراق من قبل قتلة واوباش. كلما مرت بسيارتهم سيارة تحمل نعشاً، التفت الرجل لوالدي قائلا: يقولون قضينا على حركة ألبرزاني، وها انت ترى نعوش شبابنا ألجنود قادمة من الشمال، انهم يكذبون. كان والدي كل الوقت صامتاً، ويحاول أحياناً ان يضغط بقدمه على قدم الرجل ليوقفه عن الإستمرار بهذا ألحديث الذي قد يسبب له متاعب ولكن دون جدوى. عند وصول ألسيارة الى نقطة ألتفتيش في مدينة المسيب نزل أحد ألركاب من مؤخرة السيارة وتحدث بصوت مسموع مع ألحرس القومي ومشيراً على ألرجل انه كان يشتم الثورة ويتحدث الى جاره مشيرا على والدي، وأضافة ولكن هذا الجار اكثر خطورة منه!!! تدخل السائق وبعض الرجال من الركاب مدافعين عن والدي كونه لم ينبس بكلمة واحدة طول الطريق، لم تجد تدخلاتهم نفعاً، واحتجز والدي والرجل ونقلوا الى مقر ألحرس ألقومي في ألمسيب. في ألطريق عاتب والدي الرجل، لماذا لم يحفظ لسانه فجلب لهم البلوى، فردَّ على والدي بوقاحة وجبن وانتهازية، المشكلة ليست فيما قلت وانما هم يرون انك ألخطر ولست أنا!! في مقر ألحرس ألقومي انهالوا بعدة لكمات على الرجل ثم اطلقوا سراحه، ابقوا الوالد للتحقيق معه و تفسير شهادة الراكب ألمُخبر بقوله ان هذا أخطر. مارسوا ألتحقيق معه بالضرب واللكمات والشتم طالبين منه ألأعتراف وإلا ستكون نهايته. ماكان من الوالد إلا ان يطلب منهم ألإتصال بمقر الحرس القومي في كربلاء ويسألوا عنه، فهو لم ينتم لحزب وقد ثبت ذلك للحرس القومي حتى أنهم اطلقوا سراحه، معتقدا ان هذا سينقذه من هذا ألمأزق. اتصلوا بكربلاء واجابهم احد افراد الحرس القومي الأغبياء (للأسف نسيت اسمه واتذكر أنه الأعور الوحيد بين افراد الحرس القومي): صحيح اطلقنا سراحه لكنه خطر لأنه الوحيد لم يعترف!! حينها زادت قساوتهم وتكاثر المتحمسين بممارسة ألإعتداء والضرب، أطفئوا النور ولم يعد يرى والدي وجوههم ولا يدري ماعددهم، والضربات والرفسات والسباب لم يترك له مجالاً لتوضيح ألإلتباس. بعد أن انهكهم ضرب الوالد اشعلوا الضياء، وإذا بأحدهم يتسائل وهو يفرك يده متألما، ماهي جريمة ألرجل؟!! ترجاهم ألوالد ان يكرروا ألإتصال بمسؤلي ألحرس ألقومي أمثال، آمر ألحرس ألقومي عبد ألواحد شمس ألدين، صباح ضوي او كاظم ألفرطوسي، فأجابه أحدهم لاحاجة لنا بالإتصال فقد اكتفينا وسوف نتركك تذهب للبيت، وفعلاً تركوه!!

يـتـبـع
(1) فاضل حسن وتوت، خريج كلية التربية وعضو محلية الحزب الشيوعي في الحلة ومسؤول العلاقات الجبهوية قبل ان يعتقل اواخر عام 1978. ابلغت عائلته عام 1983 بقرار تنفيذ حكم الاعدام فيه من دون ان تتسلم جثمانه الطاهر.
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg shb10.jpg‏ (9.0 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-24-2011, 05:22 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي
( 9 )
محمد علي الشبيبي


المحاكمة

تخرج اخي كفاح قبل انقلاب شباط بسنة من كلية التربية قسم الكيمياء بدرجة امتياز، ولتفوقه حصل على منحة دراسية للولايات المتحدة الامريكية. وفضل تأجيل منحته لمدة سنة ليجري مراسيم اجراءات عقد زواجه ومن ثم الزواج، بينما كان رأي الولد ان لا يفوت مثل هذه الفرصة الثمينة ويؤجل مشروع زواجه. وبعد اطلاق سراحه معنا ابلغ بكتاب رسمي بإلغاء منحته لأسباب سياسية! ولم يتمكن من العودة للتدريس وبقي قرار سحب اليد ساري المفعول بحقه وحق الوالد، حتى تم فصلهما من الخدمة بعد تقديمنا للمحكمة في المجلس العرفي الاول. لم تكن منحة أخي كفاح المنحة الوحيدة التي تم الغاؤها في العراق، فقد الغيت من قبل الانقلابيين مئات المنح والزملات والبعثات والتي كان يتمتع بها الطلبة من حملة الفكر الوطني الديمقراطي المعارض لنظام انقلاب شباط الدموي، وذلك لممارسة الضغط على الطلبة ومساومتهم على المهادنة. وقدمت حينها الدول الاشتراكية السابقة مساعداتها للطلبة الذين حرموا من امكانية اكمال دراساتهم بسبب الغاء منحهم الحكومية، وتم استيعاب الجميع موزعين على ألدول الاشتراكية.

الظروف الصعبة التي عاشتها العائلة من أعتقال وسحب يد والدي واخي كفاح سبب لنا ضائقة مالية كبيرة سببت لنا مصاعب في تدبير معيشتنا اليومية ومتطلبات الحياة، اضافة لما عانيناه من اعتقال وتخفي اخي همام وحرصنا على عدم انكشاف سره كل تلك الظروف تركت اثارها السلبية في تلك السنة على إستعدادي لإنجاز امتحاناتي النهائية للصف الخامس العلمي، والحقيقة انني اقترفت خطأ ولم احاول ألأستفادة من الوقت بعد الافراج عني في حزيران والتحضير للامتحانات في الدور الثاني، متخوفا من ضيق الوقت المتبقي للإمتحانات (فقط 2,5 شهر) أوفشلي في امكانية حصولي على معدل جيد، يساعدني على القبول في الجامعة حسب طموحي، بسبب انقطاعي عن الدراسة طول فترة الأعتقال. لذلك قررت ان اعيد السنة الدراسية وبدأت العام الدراسي 1963/1964 في الصف الخامس العلمي مع طلبة الدورة التي تلي دورتي.

بعد اقل من شهرين من انقلاب عبد السلام عارف على شركائه من بعثيين في جرائم شباط الدموي تم تبليغنا بموعد محاكمتنا امام المجلس العرفي الاول في 21/01/1964. كان كل الوطنيين الشرفاء من ابناء الشعب ينتظر ان يقوم الانقلابيون الجدد برئاسة عبد السلام عارف باطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين زج بهم نظام شباط الدموي في السجون، والغاء جميع القضايا بحقهم، وتقديم القتلة الذين مارسوا التعذيب والاعتداء على النساء والاطفال الى المحاكم وليس محاكمة الضحايا، على ألأقل لتبرير نواياهم ودوافعهم التي اعلنوها عن انقلابهم بأنهم جاءوا لينقذوا الشعب من الممارسات الاجرامية للحرس القومي وقياداته البعثية. لكن الانقلابيون الجدد واصلوا اضطهادهم للوطنين الشرفاء من شيوعيين وديمقراطيين واستمرت السجون تستقبل الاف منهم وصدرت عشرات الاحكام بالاعدام وتم تنفيذ الكثير منها. ولم تتورع حكومة عبد السلام وشقيقه عبد الرحمن من بعده من اصدار الاحكام القاسية حتى بحق النساء من المناضلات الشيوعيات، متجاوزين بذلك على ادعاءاتهم المنافقة بالعروبة والاسلام والقيم والاعراف السائدة، وإلا كيف يسمحون لمحاكمات صورية غير عادلة بأصدار حكمها على عشرات المناضلات واخص بالذكر المناضلة نرجس الصفار، بعد ان قتلوا ابنها الشهيد فاضل تحت التعذيب وامام اعينها، وعذبوا امامها حتى الموت زوجها الشهيد الخالد جمال الحيدري، وعذبوها حتى سببوا لها إعاقة جسدية منعتها حتى من الوقوف امام المحكمة، وهذا ما أشارت اليه في جلسة المحاكمة عندما سألها رئيس المحكمة ماهو رأيك (بثورة 8 شباط)!! فأجابت رئيس المحكمة بشجاعة: ان رأي هو رأي كل امرأة عانت من الانقلابيين وفقدت زوجها وابنها بالتعذيب اضافة لتعذيبي حتى اعاقتي في ظل حكومة انقلاب شباط!! واصدر رئيس المجلس حكما عليها بسبع سنوات رأفتا بحالها، فأين هو الاسلام والعروبة التي يتبجحون بها من هذه الممارسات!!

كانت المجالس العرفية، الأول والثاني، سيئة الصيت منذ تأسيسها، فقد ساهمت هذه المجالس في زج الاف الوطنيين في السجون بمحاكمات صورية مشابهة لمحاكمات النعساني ايام العهد الملكي وحتى اسوء منها. وتحضرني قصة فلاح كان معتقل معي في كربلاء ايام حكم الشهيد عبد الكريم قاسم. وكما اذكر كان اسمه عبيد، حكم على عبيد بالسجن 3 سنوات بجريمة قتل زوجته الحامل وامها وإصابة رجل بجروح غسلا للعار. حيث وجد زوجته بالسرير مع ألرجل وكانت الأم تقوم بدور الحارس لها. واثناء وجوده في الموقف تعرف على المعتقلين الشيوعيين وارتبط بهم بعلاقات ودية وكن لهم الاحترام واعجب بطروحاتهم وأخلاقهم وبساطة حياتهم، وتعلم على ايديهم القراءة والكتابة وساعدوه في ايجاد محامية ذات توجهات تقدمية للدفاع عنه مجانا. ودائما يتذكر محاميته بإعجاب كيف وقفت امام المحكمة، وهي ألمرأة، تدافع عنه وتلقي كلمة الدفاع مرتجلة، وكان الحاكم يصغي لها. ويقول لقد علمتني كلاما اوجهه للحاكم لم يتمكن من الرد عليه، حيث سألت الحاكم: من اجل من تعمل يوميا؟ فأجاب: من اجل عائلتي! فقلت له: لو رجعت ووجدت زوجتك مع رجل غريب في سرير النوم ماذا تفعل؟ فسكت ولم يجب. وفي سجن الكوت بعد اصدار الحكم عليه رفض ان يسكن مع السجناء الجنائيين وفضل العيش مع السجناء الشيوعيين ومشاركتهم حياتهم ومعاناتهم، حتى انه شاركهم في احد اضراباتهم عن الطعام. ويحدثنا عبيد بفخر كيف ان ادارة سجن الكوت ارسلت عليه لتساومه وتخيره بين تنفيذ اطلاق سراحه بعد انتهاء محكوميته التي اقتربت وبين تقديمه للمحاكمة بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي. وبعد رفضه المساومة زج به مقيدا بالسلاسل في الأنفرادي وهو مازال مضربا عن الطعام حتى توجب عليه احيانا ان يتبول في مكانه وهو مقيد بالسلاسل. ويتحدث بفخر وحب عن إعتزاز الشيوعين به وانهم دافعوا عنه حتى أجبروا ادارة السجن على إعادته ليعيش بينهم مجددا. وبعد انتهاء محكوميته بسبب قرارات الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم في منح السجناء مراحم في تخفيض احكامهم كلما حل عيد وطني اوديني، قررت ادارة السجن احالته الى أمن كربلاء بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي ومشاركته نشاطات الشيوعيين في سجن الكوت بما فيه اضرابهم. وبقي الفلاح عبيد محجوزا في موقف كربلاء ينتظر موعد احالته للمجلس العرفي. وقد سمعت بعد ان اطلق سراحي ان المجلس العرفي برئاسة شمس الدين عبد الله حكم عليه بعشرة سنوات، لأنتمائه للحزب الشيوعي!.

قررنا السفر ثلاثتنا الى بغداد صباح يوم 20/01/1964 أي قبل يوم من موعد المحاكمة، كان ذلك الصباح باردا وكئيبا لأننا متوجهين الى المجهول تاركين عائلة من سبع بنات وام اتعبتها مشاكل الحياة وحُربت العائلة بمصادر عيشها وذلك بحرمان رب البيت من ممارسة عمله الذي خدم فيه بأخلاص 27 عاما، لا لتقصير او خطأ في انجاز عمله الأنساني في التعليم وانما لمواقفه الوطنية الغير مهادنة.

لم تكتف الوالدة طيب الله ثراها وشقيقاتي بتوديعنا داخل البيت صباح يوم 20 كانون الثاني، بل خرجن الى باب البيت يحملن القران ألكريم وابريق مملوء بالماء. وأصرت ألوالدة ألا نسافر قبل ان نعبر فوق الماء الذي سكبته على الارض ونمر من تحت ألقرآن الذي رفعته فوق رؤسنا وهي تتلو بعض الآدعية والايات الكريمة، مؤكدة ان ذلك سيبرؤنا من اصدار أي حكم بحقنا من قبل ألمجلس ألعرفي ألاول ألسئ ألصيت والذي كان يرأسه أذا لم تخني الذاكرة أحمد محمد نافع ألعاني.

كانت الوالدة طيب الله ثراها قلقة من محاكمات المجالس العرفية لما عرفته وسمعته عنها من ظلم وتجاوزات قانونية وحقد على الوطنيين وخاصة الشيوعيين واصدقائهم، وهي تتذكر دائما كيف ان شمس الدين عبد الله اصدر حكمه علي بالسجن ستة اشهر رغم اني لم اتجاوز من العمر 17 عاما. كان لابد من الاستجابة لرغبة الوالدة التي عانت كثيرا بسبب اعتقالنا بعد انقلاب 8 شباط الفاشي، وهكذا تماشيا مع مشاعرها وقناعاتها، عَبَرنا فوق الارض المسكوبة بالماء الطاهر وهي تتلو آيات من القران ألكريم مصحوبة بادعية، راجية من الله ان يعيننا ويدفع عنا شر وحقد رئيس المجلس العرفي الاول. كنت احدق في وجه امي وشقيقاتي، كانت الدموع تنزل بحياء وقد ارتسمت على وجوههن علامات هي خليط من ألدهشة والحيرة والغضب يطغي عليها الخوف من نتيجة المحكمة، كأنهن يتسائلن لماذا كل هذا الحقد، وما ألجرم ألذي ارتكبناه!!؟

كنا شبه مطمأنين ان قرار المحكمة سيكون الافراج عنا، خاصة اننا أوكلنا نفس المحامي الذي أوكلته المجموعة التي سبقتنا وافرج عنهم جميعا قبل شهر. عندما افرج عن المجموعة التي سبقتنا، اشيع في حينها ان المحامي واسمه جمال بابان الذي توكل دعوتهم وأستلم مقدما عن كل متهم 100 دينار ، تقاسم المبالغ مناصفة مع رئيس ألمحكمة أحمد محمد نافع ألعاني ومع الادعاء ألعام راغب فخري مقابل ألبراءة والافراج عن المجموعة. لم يكن سهلا على والدي ان يتدبر اجورالمحامي أو قل رشوة المحكمة عن طريق سمسارها المحامي جمال بابان، فقد كنا نعاني من مصاعب مالية وكانت العائلة بالكاد توفر الحد ألأدنى لمتطلبات حياتنا المعاشية بسبب سحب يد والدي وشقيقي كفاح منذ الانقلاب الفاشي. وبعد توسط أحد الاصدقاء وهو ألمحامي عبد الرضا البارودي لدى المحامي جمال بابان، وافق على ان ندفع فقط 100 دينار عن ثلاثتنا، ولا أتذكر كيف تمكن والدي من تدبير المبلغ في الوقت الذي كنا نعاني فيه من صعوبة تدبير معيشتنا، لأن كل مايستلمه والدي من راتب شهري بعد سحب يده لا يتجاوز الأربعون دينار.

صباح يوم 21 كانون الثاني كان جميع المتهمين المحالين متجمعين في باب المحكمة في معسكر الوشاش مع قسم من عوائلهم وكان القلق مسيطر على الجميع وخاصة على العوائل. كانت قضيتنا تشمل 48 متهما من كربلاء، سبق وان اعتقلوا بعد إنقلاب شباط، كنا طلابا، عمالا، مدرسين وفلاحين، وكنت اصغر المحالين من كربلاء على الاطلاق، وكانت بيننا إمرأة واحدة اسمها نجاة او نجية ام الدجاج، وهي إمرأة بسيطة لاتتعاطى السياسة مطلقا، امية وفقيرة الحال تشتري وتبيع الدجاج لتدبر حياتها، وبسبب تحرشات مفوض ألأمن لطيف أللاأخلاقية بها ورفضها بيع دجاجاها له بالسعر الذي عرضه عليها، قرر حشر إسمها في ملف القضية وهذا ماوضحته في المحكمة.

دخلنا الى المحكمة بشكل جماعي ولم يتسع لنا قفص المحكمة مما اضطر بعضنا الوقوف خارج القفص. لااعرف كيف توارى ذلك القلق فجأة عن الجميع وتحول ألجو الى لاابالية فسادت روح الدعابة والمزاح بيننا، حتى ان بعضهم لم يتمكن من السيطره على نفسه فيضحك بصوت عال، وزاد الجو انشراحا، مقترح عبس الجصاص على حسين كاظم الموسوي رحمه الله (وكان يعرف بحسين أعور لأن احدى عينيه كانت من زجاج) وهو اخ الشهيد المقدم ابراهيم كاظم الموسوي (1)، ان ينزع عينه الزجاجية أثناء المحاكمة ويعمل ضوضاء بمساعدتنا داخل القفص، واذا استفسر ألحاكم عن سبب هذه الضجة يجيبه حسين بان عينه سقطت منه وهو يبحث عنها، علّ ذلك يبهج ألحاكم ويعفو عنا، لكن حسين رفض ألفكرة.

قرأ الادعاء لائحة الاتهام وهي التظاهر ومقاومة انقلاب 8 شباط. ثم طلب الشهود، وكانوا اربعة افراد جميعهم من شرطة أمن كربلاء. وسألهم عن اسماء المشاركين في التظاهرة. تقدم ألاول وذكر مجموعة من الاسماء، بعض ألاسماء التي ذكرها كانت من ألمجموعة التي سبقتنا، وبعضها مركبة من شخصين او ثلاثة اي اسم شخص أما ألأب من اخر ولقبه من ثالث، كان اي مستمع لهذه الشهادة يستنتج بان الشاهد ملقن ومفرط بالغباء، وكان معظم شرطة ألامن في ذلك الوقت يتصفون بالغباء والبلادة، حتى انهم لم يبذلوا جهده في حفظ مالقنوا به. بعد ذلك طلب رئيس ألمحكمة من الشاهد ان يشخص أصحاب هذه الاسماء. كان هذا الامتحان الثاني لهذا الشرطي البليد، فتقدم وبعد بحث في الوجوه اشار الى عبد الامير قنبر وقال هذا هو محمود ألصافي، والسبب الذي دفع هذا الشرطي لهذا الخطأ حسب مافسرناه في حينها، ان محمود الصافي كان اقصرنا وبسبب كثرتنا داخل القفص لم يتمكن الشرطي من إيجاده فإختار بدله اطول واحد فينا وهو عبد الامير قنبر. اعترض عبد الامير وقال ان اسمي عبد الامير وليس محمود الصافي. ولم نسمع من رئيس المحكمة الا كلمة اخرس انه يعرفكم من الاشكال. بعد ذلك أشار الشاهد الى والدي، مدعيا ان علي الشبيبي هو مسؤول الحزب في كربلاء وانه كان يسير خلف التظاهره لقيادتها وتوجيهها. وعقب والدي قائلا انه لم يكن حزبيا وهذا مااكدته ألتنظيمات الحزبية لكربلاء بعد إنكشافها، كما انه لم يغادر البيت يوم 8 شباط بسبب مرضه وكل ذلك مثبت بالتحقيقات التي اجراها الحرس القومي، لكن رئيس المحكمة لم يستمع لأي اعتراض من جانبنا، وكان يقمع المعترضين، ويعلق تعليقات بذيئة جدا ومهينة، وانتقد تقرير مديرية أمن كربلاء المرفق في ملف القضية. حيث اشار التقرير في احد فقراته مامعناه (..... الى ان المسؤولين من شرطة كربلاء ومديرية الامن كانوا يسيرون خلف التظاهرة يوم انقلاب 8 شباط لمتابعة تحرك المتظاهرين.....) وعلق رئيس المجلس ساخرا من هذه العبارة ومن تعامل ألأمن والشرطة مع المتظاهرين موجها كلامه لشرطة الأمن: تمشون ورائهم لحمايتهم !!؟؟ كان عليكم إبادتهم والتخلص منهم!!! وهذا التعليق يعكس عدم حيادية وحقد رئيس المحكمة واستهتاره بالعدالة وموقفه المسبق من قضيتنا.


في وسط ساحة السجن الجديد في الحلة امام أحد القواويش (القاعات) والدي يتوسط
شقيقتي الكبرى أحلام ونوال في احد ايام الزيارات من عام 1965
الحقيقة ان والدي لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي لكنه كان من الأصدقاء ألمقربين من الحزب إضافة لكونه من الوجوه الاجتماعيه والوطنيه لمدينة كربلاء، فكان من نشطاء نقابة المعلمين واصبح نقيب الفرع لدورتين وكان رئيس مجلس انصار السلام في كربلاء، كما أنه لم يغادر البيت يوم الانقلاب، فأنا الوحيد من البيت من شارك بالتظاهر، وكان والدي غير مقتنع بالتظاهرة وانتقدني وانتقد منظميها وكان يرى ان إفشال الأنقلاب كان يجب ان يتم من خلال عمل عسكري حاسم ومخطط بشكل مدروس. لكن تقارير الامن المرفقة كانت مغلولة بالسم والكراهية والكذب ومعتمدة على معلومات قديمة تعود للاربعينات، وكان مسؤولوا ألامن يصرحون دائما بأن والدي أخطر من أي حزبي قيادي، لأنهم يعتبرونه من شيوعيي الأربعينات الذين تخرجوا على يد مؤسس الحزب الشهيد الخالد فهد. حيث ساهم مع شقيقه الشهيد الخالد حسين (صارم) في تأسيس اول تنظيم شيوعي في مدينة النجف الأشرف. وكان مسؤولا عن لجنة محلية النجف قبل انعقاد اول كونفرنس حزبي عام 1944 وكان احد اعضاء المؤتمر الاول للحزب والذي انعقد في اذار 1945. واصبح تنظيم الحزب في النجف احد اقوى التنظيمات الحزبية في العراق بالرغم من الطابع الديني المحافظ للمدينة وتخرج من هذا التنظيم كثير من قادة الحزب وشهدائه وفي مقدمتهم سكرتير الحزب الشهيد الخالد سلام عادل والشهيد حسن عوينه وعضو اللجنة المركزية الراحل رحيم عجينة والشهيد الدكتور خليل جميل والشهيد محمد موسى وغيرهم.

لم يعر رئيس المحكمة اي اهتمام لاعتراضاتنا، خاصة أن بقية الشهود لم يكونوا اكثر ذكاء من الشاهد الاول كما ان شهاداتهم لم تكن اقوى حبكة من الشاهد الاول. وقد جنبهم رئيس المحكمة من مغبة تكرار هفوات الشاهد الأول فطلب منهم ذكر أسماء المتظاهرين فقط دون تشخيصهم، بينما طلب من كل واحد يذكر الشهود اسمه ان يظهر من بين رفاقه بالقفص ليراه ويتعرف عليه اعضاء المجلس، وكان هذا تواطئا مفضوحا وتعدي فض على العدالة. انتبه الرئيس الى وجود ثلاثة افراد من عائلة واحدة، والدي وانا واخي كفاح، فوجه سؤالا لأخي كفاح: من يكون بالنسبة لك حسين الشبيبي الذي اعدم مع فهد؟ فاجابه اخي انه عمي. اضاف العاني انه من قادة ألحزب ألشيوعي وعضو مكتبه ألسياسي واعدم مع مؤسس الحزب فهد!!! ورد عليه اخي وماهي جريرتي في ذلك؟!!. لم تدم الجلسة اكثر من نصف ساعة، ولم يسمح لنا بالدفاع عن انفسنا ولا حتى مناقشة ألشهود، كما ان محامي الدفاع جمال بابان لم ينطق بكلمة واحدة خلال الجلسة ولم يناقش الشهود حتى لم يدافع عن أي واحد منا، وهذا مايؤكد ان المحامي كان سمسارا للمحكمة، وان الاحكام معدة مسبقا. وبعد دقائق من مشاورات المحكمة اعلن قرار الحكم، وقد وزعنا قرار الحكم على اربعة مجاميع، الاولى حكم عليها بخمس سنوات وكنت انا، فيصل الشامي، عباس الجصاص، اسماعيل الجصاص، حسين الموسوي ومحمود الصافي والفلاح حمود واخرون من ضمن هذه المجموعة. المجموعة الثانية شملهم الحكم بسنتين وكان والدي من ضمن هذه المجموعة. والمجموعة الثالثة حكم عليهم بسنة مع وقف التنفيذ وكان أخي كفاح من ضمنهم. والبقية تم الافراج عنهم. غضب وثار الاهالي لهذه الاحكام الجائرة واستنكروا دور المحامي البائس والذي لم يحاول ولو شكليا بالدفاع عنا ليبرر دوره، وطالبه البعض باعادة مادفع له.

تم حجزنا موقتا في غرفة في معسكر الوشاش. كانت الغرفة التي حشرنا فيها صغيرة، وقد تحولت جدرانها الى لوحة كتابة، فسجل معظم المحالين للمجلس العرفي الاول او احتجزوا في هذه الغرفة اسماؤهم وجملا او اشعارا تؤكد تصميمهم على الاستمرار في طريق النضال بصلابة ودون مهادنة، وقد كانت هذه عادة جميع المعتقلين، حيث كنا ننقش اسماؤنا وعبارات واشعارا وتأريخ تواجدنا في المعتقل تذكر القادمين من بعدنا بزملاء ورفاق لهم في درب النضال مروا من هنا. ولقد لفت انتباه الجميع بيتين من الشعر الشعبي كتبها ألشهيد حسن سريع بخط يده، تؤكد شجاعة واصرار هذا الإنسان على الصمود والتضحية والشهادة، وهذه ألأبيات هي:
السجن لي مرتبة والقيد إلي خلخال
والمشنقة ياشعب مرجوحة الأبطال

كم كان هذا البطل المجهول مؤمنا بقضية الشعب وبقي مخلصا ومضحيا بنفسه محاولا انقاذ اكبر عدد من رفاقه من خلال اعترافه بتحمل المسؤولية لوحده وأنه هو ألذي أرغمهم على حمل ألسلاح. ومازلت اتذكر ألحوار ألذي دار بين ألشهيد حسن سريع ورئيس ألمحكمة أثناء محاكمته، حيث كان ألبث مباشراً. كانت اجابات ألشهيد تدل على وعيه السياسي وشجاعته وتصميمه، وللأسف لاتتوفر لدي مصادر حيادية عن نص الحوار بين الشهيد حسن سريع ورئيس المحكمة، وانما اتذكر جيدا معنى وأفكار الحوار الذي دار في قاعة المحكمة، فلما سأله رئيس المحكمة: انت جندي بسيط فهل كنت من خلال حركتك العسكرية تريد ان تصبح رئيسا للجمهورية؟!
الشهيد حسن سريع : لا لم أريد شيئا لنفسي وإنما سأسلم السلطة لمن يستحقها!
رئيس المحكمة : ومن هو هذا؟
الشهيد حسن سريع : الحزب الشيوعي !
رئيس المحكمة: الاتعرف انك خالفت القانون بحملك رتبة ضابط وانت مجرد جندي ؟
الشهيد حسن سريع: لم اكن اول من خالف القانون فأنتم أول من خالفتم وفعلتم ذلك مع عبد ألسلام عارف وصالح مهدي عماش.

كان هذا بعض من الحوار الذي بث من خلال الجلسة العلنية للمحكمة، هذه ألاجابات ألشجاعة والتي تعبر عن وعي وتصميم مذهل اجبرت الحكومة الى عدم استمرارها في بث المحاكمة. هذه إجابات ألشهيد الخالد حسن سريع كما أسعفتني بها ألذاكرة عندما كنا نستمع لمحاكمته ونحن جالسين في احد مقاهي العباسية الشرقية الشعبية (مقهى حميد) في كربلاء، وكنا مدهوشين لشجاعة وجرأة هذا ألبطل، وكان موقفه الشجاع هذا دافعا لكثير من ألشباب للبحث عن تنظيمات ألحزب ألشيوعي للإنظمام اليها. وقد طلب بعضهم مني المشورة ومساعدته للإرتباط بالحزب. وقد اتصل بي كريم، وهو سائق لي معرفة سابقة به ويثق بي، وسألني عن رغبته بالإنتماء للحزب، وذكر اسم (هـ.ر) بأنه عرض عليه ألإرتباط، ولما كنت أعرف أن موقف (هـ.ر) ضعيفا ومشبوها في تحقيقات ألحرس ألقومي، حذرته من ألعلاقة معه فربما يكون مندسا لكشف ألتنظيمات ألجديدة للحزب. وقد تأكد لي إندساس (هـ.ر) عندما ألقي ألقبض على رسول عبد ألزهرة (رسول ألمختار) في بساتين كربلاء بعد مقاومته لهم بالسلاح واصابته، وهو كادر طلابي (كان طالبا في كلية التجارة) وشيوعي لم يلق ألقبض عليه في إنقلاب شباط وبقي يمارس نشاطه ألحزبي متخفيا في كربلاء. بعد الإفراج عن رسول بكفالة مالية، أخبرني أن (هـ.ر. و ح.ل) شاهدي ادعاء ضده في ألمحكمة. واخبرته بمواقف (هـ.ر) الضعيفة في التحقيقات وتعاونه مع الحرس القومي، وسألته كيف تمكن من الإندساس ونال التزكية؟! أجاب انه وجده في التنظيم ولا يعرف خلفياته في أثناء الإعتقال!

في موقف مركز شرطة السراي في بغداد حيث نقلنا الى هناك لغرض تسفيرنا الى سجن الحلة، جلس بجانبي ألاستاذ لطيف المعملجي وهو معلم موسيقى، ولاحظت على وجهه علامات الإنزعاج والتأثر حتى كاد يبكي واعتقدت بأن حكما صدر بحقه. سألته: لماذا انت متأثر؟ فنحن ايضا صدر حكم بحقنا، والدي سنتان وانا خمسة سنوات، لاتهتم فالنظام ساقط و سنخرج قبل ان ننهي محكومياتنا!! فاجاب: لم يصدر بحقي حكم بالسجن ولكنني متأثر للحكم عليكم انت ووالدك، وانت مازلت صغيرا، كم كان هذا الحاكم ظالما، حتى لم يسمح لأي منا الدفاع عن نفسه!

يـتـبـع
(1) – المقدم ابراهيم كاظم الموسوي، كان مسؤولا عن أمن محكمة الشعب ايام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، ولم يشارك باي مقاومة عسكرية للأنقلابيين لأنه كان مع عائلته في كربلاء، وكان يعتقد بأن رئيس الجمهورية عبد السلام عارف سيقف الى جانبه لأنه قدم مساعدات كبيرة له اثناء محاكمته ووجوده في محكمة الشعب، واعتقد خطأ انه حان وقت رد جمائله على عبد السلام عارف، لكن العروبي عبد السلام عارف خذله، وكان الرد سريعا بإعدامه بعد يوم من تسليم نفسه، ولم يسلم جثمانه الطاهر كما تقر به الشريعة لعائلته إلا بعد انقلاب تشرين الثاني، وشيع في كربلاء تشيعا جماهيريا يليق بشهادته.
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg hh1.jpg‏ (22.3 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-24-2011, 05:24 AM
أمير علي أمير علي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 14
معدل تقييم المستوى: 0
أمير علي is on a distinguished road
افتراضي

الاثنين 19 صفر 1432

ذكريات الزمن القاسي
( 10 )

محمد علي الشبيبي


في سجن الحلة

بعد ان قضينا ليلة في مركز سراي بغداد نقلنا الى سجن الحلة مع مجموعة من مناضلي مدينة الديوانية اتذكر منهم المعلم الطيب مضر. كان سجن الحلة مقسم الى اقسام معزولة بعضها عن بعض ومتفاوته بالمساحة والتصميم. افضلها السجن الجديد، تتوسطه ساحة واسعة على شكل حرف يو (U) الانكليزي وذات ارضيه من الكونكريت، مع مجموعتين من المرافق الصحية موزعة على جانبين من السجن. وغرفه متفاوتة المساحة بحيث تتسع من 16 إلى 120 سجين (1)، وخصص للسجناء السياسيين. كما يوجد قسم المعمل الذي سبق وان تحدثت عنه. والسجن القديم ايضا تتوسطه ساحة كبيرة وفيه غرف مختلفة السعة واشهر قاعاته قاعة كنا نطلق عليها اسم الصين الشعبية لكبرها، فعدد ساكنيها نصف عدد نزلاء السجن القديم. وكان نزلاء الصين الشعبية يطالبون اثناء اجتماعات مسؤولي القاعات بعدم حساب صوتهم كصوت اي قاعة والتي لايتجاوز عدد نزلاء اكبرها عن100 سجين ونزلاء السجن القديم خليط من السياسيين والعاديين.

القسم الاخر يدعى المحجر، قسم صغير يتكون من 4 غرف بمساحة لاتزيد عن 14م² للغرفة ألواحدة، تتوسطه ساحة لا يزيد طولها عن 12م وعرضها عن 3م وفيها حنفية واحدة وتواليت واحد ولم اعد اتذكر ان كان هناك حمام ام لا وكيف كنا نستحم. كانت معظم مجاري السجن تمر عبر المحجر. كان السجين صفوك ذو الوجه الكاريكاتوري، بشاربه الطويل وفمه الذي فقد معظم اسنانه، زبونا دائما من بين السجناء العاديين مسؤولا عن صيانة المجاري وتنظيفها، وتتم هذه ألصيانة من المحجر مما يسبب ازعاجا بسبب الرائحة الكريهة التي تنتشر في المحجر عندما يحصل أي انسداد فيها وتفيض لتغطي ارضية المحجر. كان صفوك من المقيمين في السجن والاداره تدفع له اجرا بخسا لعمله، وهو لايصرف شيئا داخل ألسجن، لانه ماكل شارب ونائم مجانا كما يقول. عندما انهى محكوميته اخر مرة، عاد بسرعة بعقوبة لمدة سنة! لما سألناه عن سبب العقوبة قال انه سرق قوري مكسور البلبولة، وقال انه لم يسرق بهدف السرقة وانما كانت السرقة وسيلة شريفة ليعود للسجن ليمارس عمله في تنظيف المجاري، لأنه خارج السجن يعيش ايامه جائعا وبدون سكن ووحيدا بينما هنا في السجن يعيش في فندق خمس نجوم وبين السجناء!

قررت ادارة السجن تخصيص المحجر لنا مع مجموعة مدينة الديوانية الذين وصلوا معنا سوية من مركز السراي. فرشت فراشي الى جانب فراش والدي في احدى الغرف وسط المحجر وقد ضمت الغرفة كل من عباس الجصاص واخيه اسماعيل وحسين الموسوي ومحمود الصافي وفيصل الشامي واخرون لاتسعفني الذاكرة بتذكرهم. منذ وصولنا للمحجر اصبحت علاقتي بوالدي ليست كأب فقط وانما اصبح الزميل والصديق. كانت كلمة زميل هي الكلمة المعتادة التي يتخاطب بها السجناء. وكانت هذه الكلمه غريبة ومجهولة وغير مفهومة بالنسبة لبعض السجانه (شرطة السجن) مثل السجان ابو سبتي. ففي احد المرات تورط واستعملها أثناء التعداد مخاطبا السجناء: زملاء مسطر (كنا نسمي عملية التعداد مسطر)، ثم التفت الينا واعتذر لانه خاطبنا بزملاء، ولما استوضحناه لماذا هو يعتذر، فهمنا من اجابته انه أخطأ ولم يوفق في جمع كلمة زميل لأن كلمة زملاء تعني جمع لزمال!! وابو سبتي إنسان بسيط وطيب، وماحدث له عندما إنتقل لسكنه ألجديد يدل على بساطة هذا الإنسان. فعندما حصل على بيت في منطقة الاسكان، وهي منطقه من بيوت شعبية بناها ألزعيم الراحل عبد الكريم قاسم لتكون سكنا لذوي الدخل المحدود، وتتميز بتشابه بيوتها وطرقها كونها جديدة البناء، ولاتوجد اسماء لشوارعها. عاد ابو سبتي من نوبته في السجن الى داره ليلا ولم يهتدي للبيت حتى ارهقه التعب، فاضطر ان يطرق احد الابواب ويسأل اصحاب الدار عن بيت أبو سبتي ألسجان. بعد ان استمعت صاحبة البيت لاستفساره مندهشة، قالت له الستَ انت ابو سبتي، وتبحث عن بيتك؟!! فأجابها انه متعب ومصاب بصداع ولم يتمكن من الاهتداء للبيت! ساعدته واوصلته لبيته ولم يكن ألبيت بعيدا عن دارها إلا بضعة أمتار. ومنذ ذلك اليوم قرر ابوسبتي ان يرفع علما في باب بيته لكي يميزه عن بقية البيوت!!. ويحدثنا ابو سبتي كيف كانت العفاريت والجن تزوره في المنام عندما عمل سجانا في نقرة السلمان، وكانت احدى الجنيات تلح عليه ليطلق زوجته والزواج منها! وكاد يجن من زياراتهم وطلباتهم، لولا تعاطف مدير السجن معه وساعده على الانتقال الى سجن الحلة. وفي احد نشاطاتنا الثقافية داخل السجن، عرضنا مسرحية ديوجين وكان العرض ليلا وحضر العرض بعض حراس السجن ومن بينهم ابو سبتي، وكان العرض بعد يومين من زيارة العوائل الشهرية. وكان من ضمن الادوار دور فتاة، ومثل دور الفتاة احد الزملاء بعد ان تم مكياجه جيدا وارتدى ملابس نسائية الى درجة جعلت ابو سبتي يعتقد اننا اخفينا احدى النساء بعد الزيارة الشهرية لتقوم بهذا الدور! وبعد ان شاهد ابو سبتي العرض غضب لاننا اخطأنا بحق هذه الفتاة وحجزناها في السجن وحذرنا من ان يصل الخبر الى مدير السجن فيحاسبنا ونقع في مشكلة مع ألأدارة!.

لم تدم اقامتنا في المحجر طويلا، فبعد اقل من اسبوعين نقلنا الى السجن القديم. وكان السجن القديم مشترك بيننا وبين السجناء ذوي الجنح الجنائية. بعد ذلك قررت ادارة السجن عزل السجناء السياسيين عن العاديين، فخصص لنا السجن الجديد ونقل اليه جميع السجناء السياسيين. وفي السجن الجديد اقمنا انا ووالدي في قاعة رقم 2 وهي واحدة من ثلاثة قاعات كبيره في السجن الجديد.

بسبب شدة وشراسة الضربة التي وجهت للحزب، تأثرت معنويات وثقة الكثيرين وكان البعض يشكك أو يرفض أي عمل تنظيمي، حتى مايخص تنظيم وإدارة حياتنا اليومية، واخذ البعض يتمرد ويطرح شكوكه بشكل علني، وشمل التشكيك بطريقة اختيار ممثلين القاعات ومن ثم ممثل السجناء أمام ادارة السجن، ووصل الحد ان البعض راح يشكك ويتساءل عن أرباح المقهى التي نشرف على ادارتها وكان سعر كوب الشاي رمزي (3 او 5 فلس للكوب) ، وتخصص مردودات المبيعات البسيطة لمساعدة المحتاجين. وظهرت حالات تمرد وعدم تعاون بين بعض ممثلي القاعات مما سبب مشاكل ومتاعب في تنظيم شؤون السجناء، وتعددت مصادر ألأخبار والنشريات. وبعد اجتماعات ولقاءات جماعية ونقاشات بين السجناء بادرت اليها مجموعة من السجناء الواعين والحريصين الى قرار حازم وشجاع بإجراء انتخابات سرية لكل قاعة لتنتخب لجنة وممثل لأدارة شؤونها وان تكون مهمة هذه اللجان تنظيم وادارة حياتنا اليومية، وتوحيد كلمة السجناء امام الادارة، والعمل على بث الوعي السياسي وعدم الأستسلام للظروف الجائرة التي يعيشها شعبنا، والنهوض مجددا بقوة لمقارعة الدكتاتورية العارفية التي لبست لباس الدين والعروبة. وتم التثقيف بأهمية هذه الانتخابات الاضطرارية في كل القاعات، واعلن الكثير من الزملاء ترشيح انفسهم لهذه اللجان، وكانت ألمنافسة جدية بين المرشحين وبروح رفاقية، حتى في الغرف الصغيرة التي لايتجاوز عدد قاطنيها 20 فردا كان لها اكثر من مرشح. كان المعتاد في كل السجون وفي كل الظروف ان تشرف المنظمة الحزبية على تعين ممثلي القاعات وممثلنا امام ادارة السجن لنقل مطالب السجناء وتنظيم العلاقة بين الادارة والسجناء. لكن الظروف التي عاشها العراق وخاصة الحزب الشيوعي بسبب التصفيات الدموية لقياداته، وما أصاب تنظيماته من ضربة شرسة ادت الى تدمير وتفكك معظم تنظيمات الحزب، لذلك تعددت القنوات الحزبية وتقاطعت فيما بينها في احيانا كثيرة، مما ساعد على ان تسود حالات من اليأس والتشكيك بين الكثيرين في مصداقية هذه الأقنية. فكان القرار الذي اتخذه السجناء في سجن الحلة قرارا جريئا ومتقدما على الفكر السائد في تلك الحقبة التأريخية الصعبة، كما عزز الروح الديمقراطية والثقة والوحدة بين السجناء. وسنرى ردود فعل سلبية من بعض التنظيمات الحزبية المستقرة والفاعلة واخص هنا موقف التنظيم الحزبي في سجن نقرة السلمان، وهذا ما ساتطرق له في السطور القادمة. كانت نتائج الانتخابات ايجابية اكثر مما توقعنا حيث فازت العناصر التي مازالت ملتزمه بمباديء الحزب وذات معنويات عالية ومواقف صلبة وشجاعة.

انتخب لتمثيل السجناء الاستاذ حميد سعود طيب الله ثراه وهو مدرس من منطقة ديالى واعتقد من مدينة المقدادية. كان حميد سعود (ابو سلام) واضح في طروحاته ملتزم ويتصرف كشيوعي فكرا وعملا، وامتازت علاقاته الاجتماعية داخل السجن بالبساطة والشعبية ورغبته الجادة في التعاون مع الجميع لحل المشاكل التي تواجه السجناء. ورغم قصر فترة عمله، تمكن وبمساعدة زملائه في اللجنة من وضع حد للشكوك والاتهامات واللاأبالية التي سادت في السجن، وذلك من خلال التخطيط لعقد اجتماعات علنية للقاعات وتدارس مشاكل السجناء والاستماع الى ارائهم وانتقاداتهم ومناقشتها بجدية، واصبحنا اكبر قدرة على طرح مطالبنا للأدارة والعمل على ايجاد حلول افضل لمشاكلنا اليومية من خلال حوار ممثلنا ورفاقه مع الأدارة. ونتج عن هذه الانتخابات الديمقراطية منظمة موحدة وقوية قادرة على تنظيم حياة السجناء، كما تم الاقرار بضرورة الاستفادة من تعدد مصادر المعلومات لعدم وجود ركيزة واحدة في داخل السجن بسبب الاعتماد على المبادرات الفردية لبعض السجناء.

بعد اسابيع من تولي حميد سعود لمسؤوليته، قرأنا في ألصحف الرسمية براءة بأسم جندي أسمه حميد سعود، وكانت هذه الصحف تطالعنا يوميا بمثل هذه البراءات. وفي اجتماع عام للسجناء بادر حميد سعود لتوضيح هذا الالتباس وقرر ان ينشر توضيحا في نفس الصحيفة، ملخصه بان المدرس حميد سعود من مدينة ديالى والسجين حاليا في سجن الحلة ليس هو صاحب البراءة التي نشرت بأسم الجندي حميد سعود، لم يكن حميد مجبرا على نشر مثل هذا الإيضاح لأن البراءة منشورة بأسم جندي، ومع هذا كان قرار الراحل حميد سعود قرار فيه تحدي لسياسة الدولة التي مارست اسلوب الإسقاط السياسي من خلال نشر البراءات السيئة الصيت، وقد قوبل موقفه الشجاع هذا بإستحسان وتشجيع من قبل الجميع وترك اثره الأيجابي على معنويات الجميع للوقوف بشجاعة والصمود امام اغراءات الدولة للمتبرئين. لم نكن نتوقع ان ينشر ايضاحه، لان ألصحافة في ظل حكم عبد السلام عارف كانت تعبر وتطبل لسياسته ألمعادية لكل ماهو ديمقراطي وتقدمي بالرغم من رفعها شعارات اشتراكية، كما أن نشر ألإضاح يعتبر تحدي لسياسة السلطة التي كان يرأسها عبد السلام عارف وتتنافى مع نهجها في كسر معنويات السجناء وأذلالهم من خلال دفعهم على البراءة السيئة الصيت. نُشر ألايضاح بعد أيام واطلع جميع السجناء عليه وقرأ في القاعات. وكان الثمن الذي كلف حميد سعود لنشر ايضاحه هو إبعاده الى سجن نقرة السلمان، حيث وصل كتاب رسمي من وزارة الداخلية بعد ايام من نشر الايضاح لنقل حميد سعود الى سجن نقرة السلمان.

ودعنا رفيقنا حميد سعود اسفين لفراقه وابتعاده بعد ان ساهم بفعالية في تقوية وحدة السجناء، وتاسيس لجنة قوية وواعية سياسيا لأدارة شؤننا. وكانت من أهم نشاطات هذه اللجنة متابعة مشاكل السجناء وتقديم العون الاقتصادي للمحتاجين منهم. وواصل سجناء سجن الحلة ألتقاليد ألشيوعية في كتابة نشرة ألأخبار، لإطلاع ألسجناء على مايدور في ألعالم. لم تكتب نشرات على عدد ألقاعات بسبب كثرة ألقاعات وصغر بعضها، فكنا نكتب ثلاثة نسخ ويتم تداولها بين ألقاعات. عندما تصل نسخة ألأخبار ألى ألقاعة يخرج أحد نزلاء ألقاعة ألى خارجها لينادي بصوت عال: زملاء قاعة رقم (2 مثلا) حلويات، والكل يعرف أن ألمقصود بالحلويات يعني وصول نشرة الأخبار وسوف تقرأ. وكان ألسجانة يسمعون يوميا دعوة نزلاء القاعات للحلويات ويستغربون ويتسائلون عن سبب كثرة تناولنا للحلويات!.

بعد سفر حميد سعود مصطحبا معه عددين من الصحيفة الرسمية التي نشرت فيها البراءة و الأيضاح، معتقدا ان هذا الموقف الجريء والمتحدي منه سيعزز ثقة سجناء نقرة السلمان به. وقد تفاجأ رفيقنا بموقف المنظمة في نقرة السلمان، وشككوا بمصداقية ادعائه وما نشر في العددين واعتبروا ذلك عملية مرتبة ومفتعلة لكسب ثقتهم والاندساس! كما كانت لجنة التنظيم في نقرة السلمان متحفظة عل خطوة سجناء الحلة في اجراء ألأنتخابات لأختيار ممثلي القاعات ولجنة ادارة شؤونهم الحياتية، واعتبروا عملية اجراء الانتخابات يراد منها ابعاد جماهير الحزب في السجون عن الحزب وشق وحدة السجناء، واعتبروا هذا التصرف مخالف للتقاليد الشيوعية في السجون والتي اعتاد عليها السجناء منذ ايام مؤسس الحزب الخالد فهد. لذلك اتخذوا منه موقفا سلبيا ومشككا ولم يثقوا به مطلقا، وخصصوا له مكانا في قاعة رقم واحد وهي قاعة خصصت للعناصر الضعيفة والمترددة والمنهارة والتي تعاونت بلا حدود مع السلطات التحقيقية، وكان يطلق عليها بعض المتشددين من السجناء اسم المستنقع!! وتقبل الراحل هذا الموقف بصبر وسعة صدر وتفهم وسكن في القاعة رقم واحد دون ان تتأثر معنوياته او ان يتخذ موقفا سلبيا او معاديا من المنظمة. وكانت منظمة الحزب في نقرة السلمان من المنظمات الأكثر تنظيما لوجود رفاق قياديين فيها امثال الراحل عبد الوهاب طاهر والراحل سامي احمد والراحل عباس بغدادي وغيرهم الكثيرين من الذين نجوا من تحقيقات الحرس القومي واساليبه البربرية في التعذيب، اضافة الى عدد غير قليل من الكوادر الحزبية المجربة والمتحمسة لمعاودة نشاطها وعملها في صفوف الحزب. لم تكن منظمة النقرة قادرة على استيعاب وفهم دوافع قرار اجراء انتخابات في سجن الحلة، لذلك كان موقفهم سلبيا من العملية، وكان موقف منظمة سجن النقرة طبيعيا في تلك الفترة كونها منظمة قوية ويقف على رأسها رفاق مرشحين للجنة المركزية واعضاء منطقة ولم يتعرضوا للتحقيقات ولهم دورا مشهودا في اعادة تنظيم الحزب خارج السجن.

كانت سياسة السلطة ذات التوجهات العروبية برئاسة عبد السلام عارف، تعمل على كسر شوكة الشيوعيين من خلال نشر البرآءات ألسيئة الصيت في الصحف الرسمية وغير الرسمية، وكانت تطلب البرآءة من كل مواطن سبق وان اعتقل واطلق سراحه وبدء رحلة البحث عن عمل، لمساومته أما البرآءة او البطالة وتعريض عائلته الى ألجوع والفقر، أي كانت تساوم المناضلين بالبراءة مقابل عودتهم للعمل. حتى المجلس العرفي الاول والثاني، في كثير من جلساتهما كان رئيس المحكمة يساوم المتهمين من شيوعيين واصدقائهم على الافراج عنهم مقابل اعلانهم البراءة من الحزب الشيوعي العراقي. وللاسف ولاسباب كثيرة، منها شراسة الضربة التي وجهت للحزب الشيوعي والحقت اذا كبيرا في تنظيماته واستشهاد قادته في التصفيات البربرية، كل ذلك ادى الى الاحباط، والضعف والتردد وحتى التشكيك بالقيادات الجديدة، وفي احيان كثيرة أثرت بصورة سلبية الظروف المعاشية الصعبة التي يعاني منها صاحب البراءة وعائلته، لذلك كانت البراءات تطالعنا في الصحف يوميا حتى جاءت قصيدة الشاعر الرائع مظفر النواب (ألبراءة) وأنتشرت بين السجناء، فكانت العلاج لهذا ألاسلوب اللانساني والمسيء لكرامة الانسان العراقي وهو سلب رخيص لانسانية المواطن العراقي وحرمانه من حرية التفكير. كان تأثير قصيدة مظفر النواب على جميع السجناء تأثيرا سحريا، فرفعت من معنوياتهم وصمودهم، وكنا نتغنى بها ونتلوها في اجتماعاتنا الترفيهية. وقد تجاوز تأثير القصيدة حدود واسوار السجن وتناقلها ألأصدقاء خارج السجن، واصبحت هذه القصيدة شهادة ادانة قوية لنظام سياسي يريد ان يمسخ الشخصية العراقية من خلال اذلالها بإسم العروبة والدين. ورغم مافي القصيدة من معان ومفاهيم قاسية، كانت وليدة ظروف دموية وشاذة، ورد فعل على ممارسات مذلة ومهينة، سادت فيها مفاهيم الصمود والتحدي لأثبات الوجود والمواصلة، فقد تقبلها الجميع سجناءً واحراراً بما فيهم هؤلاء الذين اعلنوا براءتهم. كانت قصيدة مظفر بصورتين الاولى الام والثانية الاخت وأجد هنا ضرورة نشر القصيدة لأطلاع أجيالنا الشابة عليها:

ألام
يابني ضلعك من رجيته
لضلعي جبرته وبنيته
يبني طش العمه بعيني
واجيتك بعين الگلب (القلب) أدبي علَ الدرب المشيته
شيلة العلاگه يبني
أذكر جفوفك عليهن وبيك أناغي لكل فرح عرسي النسيته
يبني والليل اللي تنامه الناس فصلته سهر لخطوط حزبك
والحجي ألزين الحجته
يبني ابني الجلب يرضع من حليبي
ولاابن يشمرلي خبزه من البراءة
يبني ياكلني الجرب لحم وعظم
وتموت عيني ولاالدناءة
يبني لا تثلم شرفنا
يبني ياوليدي البراءة تظل مدى الايام عفنه
تدري ياابني بكل براءة
كل شهيد من الشعب
ينعاد دفنه
وخلي ايدك على شيبي
واحلف بطاهر حليبي
كطرة ...... كطرة
وبنظر عيني العميته
كلي ما أهدم حزب بيدي بنيته

ألاخت
خويه گابلت السجن حر وبرد
اتحملت لاجلك شتايم على عرضي واحرگت بالليل ناري
تالي تهتكني بخلك وصلة جريده
بهاي ياخويه جازيت أنتظاري
وبهاي ياخوية جزات الخير ودموعي ومراري
جنت ارضه تذبح بطني جنيني
ولابرآءة عار متبرگع تجيني وهاك اخذ عار الجريده
ولف ضميرك وعار أسمنه ياشعب هذا التشوفه موش ابنه

وبالمناسبة اتذكر مواقف شقيقات وزوجات وامهات لسجناء ومعتقلين كان لمواقفهن الشجاعة والمشجعة اثر كبير على صمود ازواجهن واشقاؤهن وابناؤهن. ومن هذه المواقف زوجة فلاح كان معتقلا معنا في كربلاء، فصنع قلادة من النمنم لزوجته وقدمها لها اثناء زيارتها له، فرفضت الزوجة استلامها معلقة: البس انت هذه القلادة! مشيرة لموقفه الضعيف في التحقيق! وكان هذا الموقف من الزوجة ايام الحرس القومي وقبل قصيدة مظفر النواب.

تولى مسؤولية تمثيل السجناء بعد ابو سلام المهندس شاطى عودة (ابو سمير) طيب الله ثراه، وكانت تربطنا به علاقة صداقة قبل ان نلتقي به في السجن، تميز ابو سمير بهدوءه، وحديثه ألدافئ مع ألاخرين، وأهتمامه بملاحظات ألسجناء، إضافة الى إلتزامه ألفكري. واصل شاطيء عودة السير على نفس النهج في ادارة شؤون السجناء وتعزيز وحدتهم وثقتهم بالقيادات التنظيمية. واستمرت لجنة شؤون السجناء المنتخبة بعقد لقاءات دورية واستثنائية كلما اقتضت الضرورة لمناقشة مشاكل السجناء والقاعات والمقترحات لتطوير وتحسين حياتنا وادارة اسلوب التعامل المجدي مع الأدارة.

وتمكنا من اقناع الادارة لبناء حممامات جديدة، وقد ساهم الزملاء المهندسون والفنيون في تصميم وبناء هذه الحمامات في السجن الجديد. وتم انجاز هذا المشروع واصبح بأمكان السجناء السياسيين والعاديين من الأستحمام بالماء الحار وكأننا في حمام السوق (الحمام العربي). ويسع هذا الحمام بحدود 8 اشخاص للوجبة الواحدة. ونظمنا ادارته والاشراف عليه من خلال خفارات شارك فيها حتى السجناء العاديون. استقرت الاوضاع في السجن واصبح دور التنظيم اقوى وتوحد السجناء حول تنظيمهم. وشجعت المنظمة النشاطات الثقافية الهادفة، وبادر الكثيرون لأقامة نشاطات ادبية وشعرية من خلال ندوات عامة او ندوات خاصة لبعض القاعات. كما كانت النشاطات الرياضية هي الاخرى احد جوانب حياتنا اليومية، فكانت هناك فرق لكرة الطائرة وكنا نتمتع بمشاهدة هذه السباقات عصرا، وحتى الملاكمة كنا نتمتع بمشاهدة منافساتها وكان فريق الملاكمة لايخلُ من ابطال عراقيين في الملاكمة مثل الملاكم سامي (لا أتذكر اسمه الكامل للأسف) واعتقد انه كان من ابطال فريق الجيش بالملاكمة.


كاتب المذكرات في وسط ساحة ألسجن ألجديد في الحلة يغسل ملابسه عام 1964
ومن ألخلف بعيدا يظهر جزء من القهوة الخاصة بتحضير ألشاي

تجاوزت علاقتي بوالدي علاقة الأب بإبنه، فكان لي ألأب والأخ والصديق. وكان يناديني بكلمة زميل مثلما كنت اناديه، وكثيرا ماكنا نتبادل المزاح والنكات بإحترام متبادل مما يثير دهشة بقية الزملاء، وكنا نمضي كثير من الوقت نتمشى في ساحة السجن وقد تشابكت ايدينا وهو يقص علي تجاربه الحياتية كأننا صديقين يحسدنا الكثيرون على هذه الصداقة. كنت اهتم به فأقوم بغسل ملابسه وترتيبها، وتحضير وجبة الطعام او تحسينها من خلال اضافة ماتوفر لنا من معلبات وغيرها من مواد غذائية. وكنا دائما نذهب للاستحمام سوية مع مجموعة من الاصدقاء من بينهم جواد الرفيعي، والشيخ الشهيد عبد الجبار الاعظمي طيب الله ثراه الذي قتل بعمل اجرامي من تدبير المخابرات العراقيه كان الهدف منه اغتيال القائد الكردي مصطفى البرزاني، وكان يمازحني ألوالد بقوله لي سوف تشتغل حمامجي. لكثرة ملازمتي للوالد واهتمامي به، وكان هذا الاهتمام متبادل، اصبحنا افضل زميلين حتى انه في احد نشاطات القاعة منحنا جائزة كافضل زميلين بالرغم من فارق السن كبير بيننا!! حيث ان عمر والدي 50 بينما انا 19، وهذا الاختلاف الكبير بالسن يتناقض مع الانسجام والاحترام الذي كان سائدا بيننا. وكان كثير من الزملاء الذين لم يسبق ان تعارفنا معهم معجبون بزمالتنا ويعتقدون انه لاتوجد اية رابطه بيننا سوى زمالة السجن.

كانت زيارات العوائل لمقابلتنا مرة واحدة في الشهر. وكنا نتهيأ لهذه الزيارات من الليل، وذلك بكوي ملابسنا من خلال ترتيبها ووضعها في طيات الفراش الذي ننام عليه! والكثير منا وخاصة الشباب تجده ممسكا بالمرآة ليحدد شاربه ولحيته استعدادا لمقابلة حبيبته او شقيقاته وامه وربما حتى اصدقائه. وفي صباح يوم الزيارة نستيقض مبكرين لنحلق لحانا ونغسل رؤوسنا ونتعطر ونلبس اجمل ملابسنا التي كويناها بثقل اجسامنا. كانت الزيارات تتم في الرواق العريض الذي يحيط بأقسام السجن، والرواق عرضه يزيد عن 3م وهو يفصل أقسام السجن عن مباني السجن الأدارية. يسمح للعوائل بالدخول الى الرواق بعد تفتيش افرادها وتفتيش حتى المواد الغذائية، واحيانا يتخابث بعض افراد الشرطة بفتح وتهشيم الكبة والكيك والدولمة بحجة البحث عن رسائل حزبية، وكثيرا مايكون التفتيش استفزازيا وخاصة مع النساء. وفي أيامنا هذه نسمع بالأدانات لمدعين عروبيين واسلامين في العراق وفي الدول العربية للممارسات الامريكية المهينة لأبناء شعبنا اثناء دخولهم البيوت، وهذه الممارسات كان العروبيون خلال سلطة انقلاب 8 شباط وبعدها في عهد عبد السلام عارف سباقون اليها وربما استفاد المحتل من خبرتهم في مجال انتهاك حقوق الانسان، وهذا لايعني ابدا انني مع هذه الممارسات المذلة والمهينة للمجتمع العراقي تحت اي ظرف كان ومن اية جهة كانت، ولكن اين كانوا العروبيون والاسلاميون عندما انتهكت كرامة الانسان العراقي وانتهكت نساء العراق في تلك الازمنة السوداء. بعد دخول العوائل تفتح ابواب الاقسام ونخرج لمقابلة عوائلنا ونحن نحمل معنا البطانيات لنستعملها كفراش للجلوس. فتكون اللقاءات حارة وقلبية، ترى الام والاخت والابنة فيها تحتضن الابن والزوج والاخ والاب، وكثير من الزوجات اعتقل ازواجهن يوم دخلته او زفافه فتجد الزوجة تجلس بالقرب من زوجها خجولة تشد من معنوياته وتعاهده على الوفاء. تجلس العوائل متقاربة وتتبادل الاحاديث والاخبار والنكات وتتعارف وتقيم صداقات جديدة فيما بينها. وخلال وجودنا في السجن ورغم الصعوبات الماليه التي تعاني منها العائلة بسبب فصل والدي وانحسار دخل العائلة الى اقل من النصف، كانت والدتي وشقيقاتي لايتخلفن عن اية زيارة لنا، واحيانا تزورنا عمتي فضيلة (ام فردوس) وخالتي أم عبودي طيب الله ثراهن. وفي كل زيارة كانت الوالدة تجلب لنا الطعام، والفاكهة وما نحتاجه من صابون وشامبو وملابس وغيرها من احتياجات.

كانت حياتنا في السجن حياة تضامنية بحيث يخرج للمواجهات حتى السجناء الذين لم تاتي عوائلهم لزيارتهم لظروف قاهرة وكانوا هؤلاء الزملاء يشاركون عوائلنا الجلسات والاحاديث. وبعد انتهاء الزيارات، نسلم الاطعمة التي وصلتنا للجنة القاعة والتي تقوم على توزيعه على سفرة جماعية لتناول وجبة الطعام بشراكة الجميع. واذكر في احدى الزيارات وصلنا من فاكهة المشمش كمية كبيرة جدا. ولما كان الجو حار ولانملك ثلاجات لحفظه وخوفا من تلفه، قرر المشرفون على المخازن الاستفادة من الناضج جدا منه وتحويله الى شربت. واكثر الزملاء من تناول هذا الشربت حتى اخذ مفعوله في الجو الحار، وتزاحم معظم السجناء للانتظار امام المرافق الصحية وهم يتندرون على بعضهم!

يـتـبـع


(1) – في الواقع ان غرف (ردهات، او القاووش، او القاعات) السجن لاتسع هذه الاعداد التي ذكرتها، وحتى لاتسع نصف الاعداد المذكورة، لكن الازدحام في السجن يضطرنا الى التراصف بحيث اصبحت في بعض الاوقات ان عرض المسافة المخصصة لكل سجين لاتتجاوز 40 سم وحتى اقل من ذلك!!
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg hh3.jpg‏ (28.2 كيلوبايت, المشاهدات 0)
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 08:48 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
.:: تركيب وتطوير فريق عمل منتديات وحي بلقيس ::.