العودة   وحـي بلقيـس > وحي آداب اللغة العربية وعلومها > وحي النثر > المقالة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-14-2008, 03:26 AM
الصورة الرمزية بلقيس الجنابي
بلقيس الجنابي بلقيس الجنابي غير متواجد حالياً
{ صاحبـة الإمتياز }
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
الدولة: عَرائِش الكُرومــ هُناااكـ
المشاركات: 5,215
معدل تقييم المستوى: 10
بلقيس الجنابي is on a distinguished road
Post الغربة في الشعر العربي والمأثور الشعبي



وارحمتا للغريب في البلد النازح ماذا بنفسه صَنَعا؟
فارق أحبابه فما انتفعوا بالعيش من بَعدِهِ ولا انتفعا


للكاتب عبدالله الجعيثن


قالت أعرابية لابنها الذي عزم على التغرب:

- إذا كنتَ في غير قومك فلا تَنْسَ نصيبَكَ من الذُّلّ!

فالغريب يكون وحيداً وحيشاً ينظر له أهل البلاد بالشك والارتياب حتى يتبين أمره مع الزمن..

وكما أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فإن الغريب محلُّ ريبة حتى تثبت سلامته واستقامته ويعرفه أهل البلد جيداً وهذا يحتاج إلى سنين..

ولذلك فإن المثل الشعبي يقول: «يا غريب كن أديب» وهي دعوة عاقلة وحكمة راشدة فإنه إذا اجتمع غربة وسوء أدب لقي الغريب نصيبه من الذل والإهانة..

وقديماً قال الشاعر الجاهلي عدي بن زيد:


ومَنْ يغترب عن قومه لا يزل يرى

مصارعَ مظلوم مجَراً ومَسْحَبَا

وتُدْفَنُ منه الصالحاتُ وإن يُسيء

يكُنْ ما أساء النارَ في رأس كبكبا


أي أن الغريب ما لا يرضيه، ويتعرض للظلم، وتُدفن حسناته وتنشر سيئاته وعيوبه ويتم تكبيرها حتى تصبح ناراً على عَلَم، والعلم هو الجبل كما هو معروف، وكبكب جبل.

٭٭٭

والعرب القدماء من أفضل الأمم في معاملة الغرباء نظراً لتأصل خُلق الكرم والمروءة فيهم، فإنهم يضيفون الغريب وقد لا يسألونه عن اسمه إلا بعد أيام، بينما نجد الأمم الأخرى تبالغ في الارتياب من الغريب وتنهى بشدة عن استضافته أو إدخاله البيت، يقول الهنود: «من الأفضل أن تملأ بيتك بالحجارة بدلاً من أن تستقبل فيه غريباً»، ويقول الروس: «نَفْسُ الغريب غابة مُظلمة»، ويقول الإنجليز: «الاغتياب سهل بحق الغرباء».

أمّا العرب فهم أمة كريمة مضيافة وشجاعة أيضاً فهم يرحبون بمن حَل بهم ضيفاً ولو كان غريباً، ويبدأونه بالإكرام حتى يظهر منه ما يسوء، مع أخذ الاحتياط والحذر طبعاً، ولقد لخص الشاعر العربي ما يحسن بالغريب في ثلاث صفات فقال:


يزين الغريبَ إذا ما اغتربْ

ثلاث فمنهن حُسنُ الأدب

وثانيه حُسن أخلاقه

وثالثه اجتناب الريب


وحُسن الأدب في البيت الأول تعني الثقافة ورواية الأشعار وحُسن البيان، فهي تختلف عن الثانية: حُسن الأخلاق، وكلا الأمرين يجعلان الغريب قريباً من القلب والعقل معاً..

٭٭٭

والغريب لا تقر عينه حتى يطأ أرض بلاده خالصاً من ظلمات الغربة، قال الشاعر:


فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى

كما قَرَّ عيناً بالإياب المُسافر


ويقول امرؤ القيس:

وقد طوَّفتُ في الآفاق حتى

رضيت من الغنيمة بالإياب!


ذلك بأن الإنسان يحن إلى وطنه ولا يستريح إلا فيه، ومهما نال في غربته فإنه يحس بالضيق والوحشة قال الشاعر:


أرى غربة الإنسان أُخت وفَاته

ولو نال منها مُنتهى طلباته

فلا يشتري الدنيا ببلدته امرؤ

فليس عزيزاً في سوى عرصاته


فعزة الإنسان في أرجاء وطنه، أمَّا في الغربة فإنه يحس ببعض الذل، ويتنازل عن بعض الحق!

والغربة بمعناها الحقيقي لا تكون إلا بسبب افتقار الإنسان في وطنه فيذهب بعيداً غريباً يطلب رزقه، فهو مضطر لهذا:



يُقيمُ الرجال الموسرون بأرضهم

وترمي النوى بالمقترين المراميا

وما تركوا أوطانهم عن ملالة

ولكن حذاراً من شمات الأعاديا


والتغريب في طلب رزق الله صاحبه مقدور مشكور إذا أحسن عمله وأحسن خُلقه، وهو سيظل قلبه يخفق شوقاً إلى وطنه، ولن يجد السعادة بمعناها في غربته ولو نال مالاً كثيراً فإن حب الأوطان فطرة في الإنسان، فسبحان مغيِّر الأحوال.. سبحان من يُغيِّر ولا يتغير..

٭٭٭

وقد تغرب الشاعر الشعبي حميدان الشويعر يبحث عن الرزق في أطراف العراق (الزبير) ويبدو أنه - كامرئ القيس - رضي من الغنيمة بالإياب، فعاد من غربته ووصف ما وجد في نجد وهو عائد في طريقه .. من فقر .. وجوع يتربص:


خَرَجتْ من الحزم اللي به

سيد السادات من العشره

حطيت سنام باليمنى

ووردت الرقعي من ظهره

ولقيت الجوع أبو موسى

بان له بت بالحَجَره

عليه قطيعة دسمال

وبشيت منبقر ظهره

وحاكاني وحاكيته

وعطاني علم له ثمره

ما يرخص عندي مضمونه

واقول بعلمه وخبره


فهو قد عاد من الزبير حيث قبر عبدالله بن الزبير رضي الله عنه (من العشرة) أي من العشرة المبشرين بالجنة، وسنام جبل على حدود الزبير، والرقعي مورد ماء وهو قريب من مركز الرقعي الموجود الآن على حدود المملكة الشرقية..

أما علم الجوع (أبو موسى كان معه موسى يحصد به الأرواح) فقد شرحه حميدان في قصيدة ثانية حين قال:


النعمه حمرا جياشه

ما يملكها كود وثقه

والجوع خديدم اجواد

ودك يا طال كل زنقه

ليت ان الفقر يشاورني

كان ادهك به كل زنقه

كان ادهك به عير ينكر

عقب الصمعا صلف نهقه


يتمنى حميدان لو شاوره الفقر ليسحق به كل من لا يشكر نعمة ربه، ويشبه المغرور المنكر للنعمة بالحمار الذي ينكر برجليه وينهق بصوته المنكر بعد أن يأكل نبات الصمعا وهي الطبق المفضل لدى الحمار!!

٭٭٭

ويصف الشاعر الشعبي إبراهيم المزيد الغربة ومشاعر الغريب، فكأن الغربة بحر متلاطم الأمواج صاخب الرياح، وكأن الغريب سفينة في وسط هذا البحر الهائج يتقاذفها ويكاد يغرقها، وهو يتحدث عن تجربة جعلته يصف طعم الغربة بأنه أمرُّ من نبات الصَّبر الشديد المرارة:


تعرفون الغريب إلى تعدّى

بلادين وربع عارفينه

وهو في دار قوم ما تعرفه

كلامه عندهم مثل الرطينه

يجر الصوت من غير اختياره

ويظن الصوت ما هم سامعينه

هواجيسه تلاطم في ضميره

تراوى له كما راكب سفينه

يموج به البحر من كل جانب

ولا يفرِّق شماله من يمينه

يقوله واحد غرب وجرب

وذاق من الدهر زينه وشينه

وشاف ان الفراق اكبر مصيبه

وامر من الصبر ياذايقينه


أما أبو الطيب المتنبي فقد حلّ عليه عيد الأضحى وهو غريب في الصحراء - والغربة في العيد أشد نكالاً - وهو في هذا العيد بعيد عن الأهل والأحباب هارب من كافور الذي لم يعرف قدره ولم يحسن ضيافته فوجد كافور عاقبة فعله حيث هجاه المتنبي هجاءً ردده التاريخ سواء أكان المتنبي عادلاً في هذا الهجاء أم ظالماً، فقد قيل ما قيل، ومن الذي قاله؟ المتنبي الذي يسير شعره مع الريح في مشرق الأرض ومغربها:


عيدٌ بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم بأمر فيك تجديد

أمَّا الأحبة فالبيداء دونهم

فليت دونك بيداً دونها بيدُ

لولا العُلى لم تجب بي ما أجوب بها

وجناء حرف ولا جرداء قيدود

وكان أطيب من سيفي مضاجعة

أشباه رونقه الغيدُ الأماليدُ

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي

شيئاً تُييِّمه عين ولا جيد

ماذا لقيت من الدنيا، وأعجبه

أني بما أنا باك منه محسود

أمسيتُ أردحَ مثرٍ خازناً ويداً

أنا الغني وأموالي المواعيد

إني نزلت بكذابين ضيفهم

عن القرى وعن الترحال محدود!

جود الرجال من الأيدي وجودهم

من اللسان، فلا كانوا ولا الجودُ!

ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم

إلا وفي يده من نتنها عود!!

من كلِّ رخوٍ وكاء البطن منفتق

لا في الرجال ولا النسوان معدود!!

صار الخصي إمام الآبقين بها

فالحرُّ مُسْتْعبد والعبدُ معبود!

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن

يسيئ لي فيه كلبٌ وهو محمود!!
__________________
الْحَمــــد لِلَّه رَب الْعَالَمِيــن
دگعد ياعُراق شِبِيكـ

مُوُ انْتَهَ الِلي على الكلْفات ينْخُونكْ

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-15-2008, 06:45 PM
وحـــي وحـــي غير متواجد حالياً
شاعر يمني ّ عزيز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
الدولة: اليمن \ صنعاء
العمر: 41
المشاركات: 117
معدل تقييم المستوى: 7
وحـــي is on a distinguished road
افتراضي

فياترى اي غربة تستعر في قلب

صاحبة هذه الحروف

واغربتاه

تقولها عندما تشعر بالغربة وانت في بلدك

وهذه اشد واقسى انواع الاغتراب
__________________
http://www.m5zn.com/uploads/dd307a0c29.jpg

سبحانك اللهم لا غضب
من ذا الذي زيف التاريخ
سمانا عرب !!
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأستاذ الدكتور عبد الحميد سليمان/المنهج الحداثى فى الشعر العربى عبد الحميد سليمان الأديب المؤرخ أ.د. عبدالحميد سليمان 7 05-31-2011 10:15 PM
الكرامة والأنفة وعزة النفس في الأدب العربي والمأثور الشعبي بلقيس الجنابي قطوف من الأدب للأستاذ امحمد شعبان 6 04-21-2011 06:24 PM
الظاهرة البلقيسية في الشعر العربي المعاصر جاسم محمد صالح قراءات نقدية في قصائدها 1 04-02-2010 06:37 AM
الحضور و الرؤية في تجربة رباعيات الخيام صياغة أولى إلى الشعر الشعبي الجزائري بلقيس الجنابي النقد الشعري 0 10-20-2008 04:42 AM
الكرام واللئام في التراث العربي والموروث الشعبي بلقيس الجنابي النقد الأدبي العام والدراسات الأدبية 0 01-19-2008 05:49 AM


الساعة الآن 03:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
.:: تركيب وتطوير فريق عمل منتديات وحي بلقيس ::.