العودة   وحـي بلقيـس > وحي بلقيس الاجتماعي والأطروحات العامة > وحي الأطروحات العامة > مقالات ودراسات الكاتب وسام الشالجي
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 06-29-2012, 07:13 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(6)

الشجاعة

الشجاعة هي صفة موجودة لدى الكثير من الشعوب ومن بينها الشعب العراقي . وتعرف الشجاعة بانها الاقدام والجرأة والعمل من اجل ان يحقق الانسان ما يؤمن ويعتقد به . لكن الشجاعة ليست بالضرورة يجب ان تكون من اجل هدف سامي طالما كانت معتقدات الانسان هي ليست بالضرورة سامية وصحيحة . ومع ان مفهوم الشجاعة بنظر العامة يرتبط بشيء واحد تقريبا هو القوة , لكنها في الحقيقة لا ترتبط بالضرورة بهذا العامل فقط لانها يمكن ان تنبع من عوامل اخرى كاللسان والحيلة والدهاء وغيرها . وتختلف معايير الشجاعة ايضا باختلاف المكان والزمان , فلكل مجتمع ولكل زمان معاييره الخاصة في تعريف الشجاعة . ولكي نعرف الشجاعة بالمفهوم العراقي يجب ان نحدد الزمن الذي نتكلم عنه لان مفهومها اختلف بين الماضي البعيد والماضي القريب والوقت الحاضر . ففي الماضي البعيد كان مفهوم الشجاعة مرتبط بالقوة بشكل مباشر لانها كانت تقاس بمدى البسالة في المعارك الحربية . وقد عرف من المقاتلين والقادة العراقيين الكثير من الشجعان في هذا المضمار امثال هانيء بن مسعود الشيباني الذي انتصر على الفرس بمعركة ذي قار , وهو اول انتصار للعرب على قوة خارجية . ومن قادة ذلك الزمن ايضا المثنى بن حارثة الشيباني الذي واصل محاربة الفرس لتخليص العراق من السيطرة الساسانية . وبعد اسلامه انضم الى جيش المسلمين بقيادة ابو عبيد الثقفي الذي اشتبك مع الفرس في موقعة الجسر التي انكسر العرب فيها وقتل القائد ابو عبيد فيها بينما جرح المثنى ثم استشهد بعد فترة متأثرا بجراحه . وبعد فتح العراق بفترة وجيزة انشغل سكان العراق بالثورات والفتن التي قامت في الدولة الاسلامية والحروب الداخلية . وبالرغم من ان تلك الجهود اضعفت من الدولة بدل من ان تقويها , لكنها شهدت ايضا ظهور شخصيات عراقية اتصفت بالشجاعة والقوة الطاغية مثل الاشتر بن مالك النخعي الذي شارك بقتل الخليفة عثمان بن عفان , والذي وصفت شجاعته وقوته بانه ما كان يجرأ احد لمبارزته ابدا . لهذا عمل كل ولاة العراق على أشغال أهله بالغزوات والفتوحات لاستغلال طاقاتهم الثورية في خدمة الاسلام ونشر الدعوة . لذلك كانت أرض العراق هي قاعدة الانطلاق للحملات الحربية على الجبهة الشرقية للدولة الإسلامية وبرز من العراقيين الكثير من القادة الميدانيين الذي اشتهروا بشجاعتهم وبسالتهم في تلك المعارك , منهم على سبيل المثال قتيبة بن مسلم الباهلي . ومن القادة العراقيين البارزين قائد فذ اصبح معروفا تاريخيا وفي كل انحاء العالم هو البطل صلاح الدين الايوبي الذي حرر فلسطين من السيطرة الصليبية واقام الدولة الايوبية في الشام والجزء الغربي من العراق .

وفي القرون المظلمة انحسرت مظاهر الشجاعة بالمفهوم السابق بسبب غياب المعارك الحربية وقيام العثمانيين بالاعتماد على العنصر التركي في حروبهم في اوربا . وقد ادى هذا الحال الى تغير كبير في مفهوم الشجاعة لدى العراقيين حيث اصبح تعريفها يرتبط بمدى القدرة على التمرد على السلطة والنظام والقانون والقيام بحماية الاهالي من الغرباء واللصوص . ومن هذا المفهوم ظهرت الشقاوات . والشقاوة كلمة اصطلاحية يوصف بها احد الاشخاص الذي يبرز بقوته الجسدية وحضوره المهيب في منطقة ما ويقوم بحماية اهالي منطقته من المشاجرات والخلافات التي تحصل بين المحلات الشعبية . الاشقياء الذين ظهروا خلال العهد العثماني كثيرون تمردوا على النظام , وكانت نهاية معظمهم اما القتل او العيش طريدين حتى يلاقوا حتفهم . ومن الاسباب الاساسية التي ادت الى ظهور الشقاوات تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والاضطهاد المستمر والقساوة التي كانت تمارسها السلطة ضد ابناء الشعب العراقي مما دفع البعض الى شق عصا الطاعة والنظر الى الحكومة المحتلة بعين الازدراء والاحتقار . وهناك الكثير من الشقاوات الذين اشتهروا بالعهد العثماني , مهم على سبيل المثال الشقي (احمد قرداش) من منطقة باب المعظم والحيدرخانة . ظهر هذا الشقي عام 1870 وعرف بشقاوته وجسارته وبمواقف انسانية ابية تتمثل في مساعدة الضعفاء والفقراء والمحتاجين والارامل والوقوف بوجه الغرباء والمعتدين الذين يرومون الاعتداء على اهالي منطقته .

اما في العصر الحديث فقد تغير مفهوم الشجاعة في المجتمع العراقي واخذ يأخذ مفاهيم وصور مختلفة . فبعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918 اصبح مفهوم الشجاعة يرتبط بصورة اساسية بمقاومة المحتل البريطاني . وقد ظهر رجال اشتهروا بهذا الجانب اهمهم قادة ثورة العشرين الاشاوس من رؤساء العشائر العراقية وغيرهم . وهناك اسماء كثيرة لمعت بهذه الثورة العظيمة يصعب جمعها هنا منهم شعلان العطية وسعدون الرسن وصلاح الموح وعبدالواحد آل سـكـر , وطبعا الشيخ ضاري المحمود شيخ عشيرة زوبع لذي قام بقتل الكولونيل البريطاني ليجمن . وبعد تأسيس الدولة العراقية المستقلة اصبح مفهوم الشجاعة يرتبط بالتمرد على الحكومة التي نصبها الانجليز , لذلك نجد الشعب العراقي يمجد كثيرا الثورات التي قامت ضد النظام الحاكم مثل قادة ثورة 1941 التي كانت ثورة ضد الحكومة والانجليز في ان واحد . ولو تفحصنا ثورة 14 تموز عام 1958 لخرجنا بنتيجة مهمة هي ان قادتها كانوا كما يبدوا يحملون من صفات الشجاعة الشيء الكثير الذي ربما يصل الى درجة الجنون . اذ كيف يعقل ان يقوم ضابط (عبد السلام عارف) بخديعة امر لوائه ويذهب بجنود لا يزيد عددهم عن 70 جنديا وبعتاد لا يزيد عن بضعة طلقات لكل جندي بمهاجمة قصر الملك والاذاعة ووزارة الدفاع ليسقط نظام حكم دولة عضو في حلف فيه اثنتان من اعظم قوى العالم بذلك الوقت هما بريطانيا والولايات المتحدة . ان رؤية بسيطة لهذا الامر تؤكد مبدأ الشجاعة التي يتحلى بها العراقيين .

وبعد انتهاء سلسلة الانقلابات في العراق في مطلع السبعينات تغير مفهوم الشجاعة بالنظر العراقي مرة اخرى ليصبح مرتبطا بالبطولات التي تسطر في الذود عن الوطن والدفاع عن استقلاله وسيادته . في حرب تشرين عام 1973 بين العرب واسرائيل كان العمود الفقري للضربة الاولى للطيران العربي على قواعد العدو في سيناء وداخل فلسطين يتمحور حول سربين من الطائرات العراقية الموجودة في مصر في ذلك الوقت . قام هذا السربان بطلعات جوية متتالية في اليوم الاول للقتال مما ادى الى سقوط جميع طائرات السربين واستشهاد معظم طياريها . وقد طمست بطولات هؤلاء الطيارين الشجعان حتى اصبح لا يذكرهم احد في يومنا هذا بالرغم من كل البطولات والانجازات التي حققوها بتلك الحرب . وعلى الارض فقد قاد الجنود العراقيين دبابتهم على الارض وصولا الى دمشق لكي يحموها من السقوط بعد ان انسحب الاسرائيليين وهم يشاهدوا طلائع الدبابات العراقية وهي تصل ارض المعركة . ومرة اخرى لا يذكر احد ابدا هذا الامر وكأن بطولات العراقيين في معارك العرب ضد اسرئيل يراد لها ان تطمس دائما لسبب او لاخر . اما في الحرب العراقية الايرانية فقصص البطولات والشجاعة العراقية لا تعد ولا تحصى بحيث لو اردنا سردها لاحتجنا الى مجلدات ومجلدات . ومن بين تلك القصص قصة الطيار العراقي الباسل الشهيد عبد الله لعيبي الذي رفع نصبه مؤخرا من ساحة الفتح (المسرح الوطني) ببغداد . في الساعة الرابعة فجرا من ايام السنة الاولى من الحرب ورد نداء من القيادة الى قاعدة كركوك الجوية تقول فيه بان هناك طائرات ايرانية معادية تتجه الى بغداد وتطلب من القاعدة مهاجمتها ومنع وصولها الى هدفها . سارع البطل الطيار عبد الله لعيبي بامتطاء صهوة جواده (طائرة ميغ 21) ورافقه زميل له هو ملازم طيار ايضا اسمه خالد واتجه الاثنان نحو المقاتلات الايرانية من نوع فانتوم f-5,وبدأت الملحمة فوق جبال زاكروس . استطاع طيارنا البطل ان يسقط 3 طائرات معادية ، كما تمكن زميله الذي كان معه من اسقاط طائرة اخرى ,لكن واصلت احدى الطائرات الايرانية طيرانها صوب هدفها . قام الشهيد بملاحقتها واطلق عليها جميع ما تبقى من عتاده لكن دون أن يصيبها . فما كان من البطل عبد الله الا ان قام بتوديع زميله الطيار الآخر وقال له (نحن لها يا خالد) ثم اطفأ جهاز الارسال وقام بالانقضاض على الطائرة المعادية من فوق ليسقطها وليقدم بهذا العمل روحه رخيصة من اجل الدفاع عن وطنه وشعبه . وتثمينا لهذه الشجاعة البطولية وضع نصب له امام مقر قيادة القوة الجوية العراقية وهو يدوس بحذائه حطام طائرة ايرانية , لكن للاسف رفع النصب مؤخرا .

وبعد 2003 فان قصص البطولات العراقية في مقاومة المحتل هي ايضا كثيرة ولا تعد . ان اعمال المقاومة العراقية كثيرة جدا غير ان ما متوفر عنها من معلومات واسماء ابطالها هي قليلة للاسف . اما فيما يخص اعمال مقاومة الارهاب فهناك ايضا الكثير من القصص البطولية التي تنم عن شجاعة بالغة . ومن بين تلك القصص ما قام به شرطي عراقي (لا يتوفر لدينا اسمه للاسف) في اول انتخابات جرت بعد 2003 بأحتضان أرهابي يرتدي حزام ناسف استهدف جمع من المواطنين في احد مراكز الانتخاب , لكن الارهابي تمكن من تفجير نفسه ليستشهد الشرطي معه ولا يموت أحد غيره بفضل هذا البطل الشجاع .وفي حالة مماثلة حاول انتحاري يرتدي حزاما ناسفا الدخول الى مخيم تجمع فيه مئات المواطنين المدنيين بينهم نساء وأطفال لاقامة طقوس احياء ذكرى عاشوراء وكانوا يعدون طعام العشاء . وبعد رصد الارهابي قام شرطي عراقي اسمه بلال محمد علي بمحاولة لمنع الارهابي من الدخول الى المخيم , لكن الانتحاري ركض باتجاه المخيم مما دفع بالشرطي إلى الارتماء عليه وطرحه أرضا والاشتباك معه في محاولة لتقييده ومنعه من تفجير نفسه , لكن الانتحاري تمكن من تفجير نفسه مما ادى الى مقتله ومقتل الشرطي الشهيد بلال محمد علي معه . واخيرا فان قيام الأعلامي العراقي منتظر الزبيدي برمي حذائه بوجه الرئيس الامريكي تعبيرا عن رفضه للاحتلال هو ايضا حالة معبرة عن الشجاعة العراقية .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-02-2012 الساعة 09:27 PM
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 07-02-2012, 07:01 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(7)

التخندق القبلي والطائفي والعرقي

يقع العراق في موقع جغرافي فريد من نوعه حيث تمر منه تقريبا جميع طرق المواصلات التي تربط قارات اوربا واسيا وافريقيا . وبالاضافة الى موقعه الجغرافي يمتلك العراق جميع المقومات اللازمة لتكوين الدول والحضارات بسبب توفر المياه والارض الخصبة الصالحة للزراعة والمواد الاولية للصناعات الحرفية وغيرها . وبالفعل فقد نشات في العراق حضارات عظيمة ودول قوية ومتقدمة في قياسات ذلك الزمان تركت اثرها بالتاريخ الانساني ككل مثل الحضارة السومرية والاكدية والبابلية والاشورية . وقد امنت تلك الدول لمواطنيها الحماية وضمنت لهم سلامة حياتهم وممتلكاتهم . وحيث ان تلك الدول كانت تقريبا تدين بدين واحد وتحكمها سلالات اسرية كان جميع المواطنين يؤمنون بأحقيتها في الحكم لسبب او لاخر , فقد غاب وبشكل كبير عن تلك المجتمعات التأثير القبلي والطائفي . وبسبب مكانة العراق والثروات الموجودة فيه فقد كان محط انظار ومطمعة لجميع الممالك والامبراطوريات منذ القدم حتى يومنا هذا واصبح هدف للعديد من الغزوات التي تهدف الى السيطرة عليه وضمه للأمبراطوريات التي سادت بعهود متفرقة من الزمن . وحين كان يحصل اي خطر يهدد العراق كانت الدولة تقف بالمرصاد منه بشكل جمعي وموحد مما جعل الفرد يؤمن بقوة الدولة ويثق بقدرتها على حمايته فسلم مقاديره لها بشكل كامل . غير ان الحال تغير بعد سقوط الدول والحضارات القديمة التي سادت بالعراق , وبغيابها اصبح الانسان لا يأمن على حياته ولا يضمن سلامة ممتلكاته الا بالتخندق كمجموعات موحدة تجمعها صفات مشتركة فظهر دور القبيلة وحل محل الدولة . لم تكن الاخطار التي واجهها الفرد بعد انحسار دور الدولة تزيد عن حاجته الى حماية حياته وممتلكاته من اللصوص والسراق والغزوات الصغيرة التي تقوم بها القبائل الاخرى . وقد أخذت القبيلة هذا الدور واصبحت هي الحامي الوحيد للفرد والضامن الاساسي لحياته . وبسيادة الدور القبلي وانحسار دور الدولة وغياب القوانين الحضارية سادت شريعة الغاب واصبح السطو على ممتلكات الاخرين وسيلة الاعتياش الوحيدة مما جعل القبائل تحترب فيما بينها من اجل كسب المال والسيطرة على الارض الصالحة للزراعة وتوسيع مناطق الرعي . وبحال من هذا النوع أصبح الفرد يؤمن بشكل راسخ بان وجوده هو من وجود قبيلته فاخذ يعمل بمقتضاها ومشيئتها وراح يتمترس معها في معاركها سواء ان كانت على حق او على باطل .

سادت المجتمعات القبلية في العراق والمنطقة لفترة طويلة اثر غياب الدول الكبيرة ذات الجيوش القوية والنفوذ الكبير , وعرفت قبائل كثيرة كان لها شأن في المنطقة قبل الاسلام مثل عشائر الأزد وكهلان وبنو أسد وتميم . كانت هذه القبائل عربية ترجع اصولها الى الجزيرة العربية هاجرت الى العراق وانتشرت فيه واستوطنته وكان لها بطون وافخاذ كثيرة لا يسع ذكرها هنا . وقد عظم دور القبيلة كثيرا حتى ان الفرد اصبح يكنى باسمها , او باحد اسماء بطونها وافخاذها . وحين كانت تحصل غزوات من دول كبيرة بهدف السيطرة على منطقة العراق , كما كان يحصل كثيرا من قبل دولة الفرس الساسانية المجاورة , كانت تلك القبائل تتحالف مع بعضها لصد تلك الغزوات يجمعها بذلك الاصل العرقي . لم يكن في الحقيقة ما يجمع تلك القبائل في مثل هذه الحالة امر وطني او سياسي بقدر ما كان الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وضمان حياة افرادها وحماية ممتلكاتها . كان هذا التحالف والتخندق العرقي مرحليا يحصل لفترة محددة ويحافظ على بقائه وجود حالة معينة , لكن ما ان تنتهي تلك الحالة حتى ينفرط هذا التحالف ويسود من جديد التخندق القبلي وتعود القبائل مرة اخرى الى الأحتراب فيما بينها من اجل المال والارض الصالحة للزراعة والممتلكات .

وبعد ظهور الاسلام كدين في المنطقة ظهرت بوادر تهدف لتغيير هذا الحال تمثلت بمحاولة احلال دور الدين في مكان دور القبيلة . نجح هذا الامر قليلا ولفترة بسيطة لم تتجاوز حياة النبي (ص) , لكن الامور عادت من جديد الى ما كنت عليه بعد وفاته وعاد دور القبيلة الى نفس وضعه السابق . وفي بداية نشوء الدولة الاسلامية تسربت الخلافات التي ظهرت في مركز الدولة بالجزيرة العربية حول احقية الخلافة الى العراق واصبحت تداعياتها تتفاعل فيه بشكل او بأخر . وبعد تول الامام علي (ع) الخلافة ونقله لعاصمة الدولة الاسلامية من المدينة المنورة الى الكوفة بدأ انتشار التشيع بالعراق . لقد كان الامام علي ينزل عند طلبات العراقيين في معظم الاحيان وكان يسايرهم في مشيئتهم , ومع ذلك فهم لم يرضوا عن حكمه وخذلوه في اكثر من مرة . وبعد انتهاء حكم الامام علي وتنازل الامام الحسن (ع) بالخلافة الى معاوية بن ابي سفيان شهد العراقيين ظلم ولاة الدولة الاموية الذين حكموهم بعد ذلك مما جعلهم يدركون خير الفترة التي حكمهم بها الامام علي فعظمت في نظرهم مكانته كثيرا مما زاد من حركة التشيع في العراق بشكل كبير . وقد ادى هذا الحال الى قيام العراقيين بمساندة جميع الثورات وحركات التمرد التي يتزعمها رجال من أل بين النبي (ص) او من يناصروهم , كما هو الحال في مساندتهم لثورة الامام الحسين (ع) وثورة المختار بن عبيد الثقفي . ولو نظرنا الى اي من حوادث التمرد والثورات التي حصلت ضد حكم الامويين لوجدناها اما تتمركز بالاساس في العراق او تنتقل اليه بعد نشوبها . وقد ادت تلك الاحداث الى حصول صراعات رهيبة وكانت غالبا ما تنتهي بنهايات دموية يحصل فيها قمع شديد يقتل فيه المئات ان لم يكن الالوف من الناس . وامام هذا الحال كان العراقي لا يجد من يحميه او يناصره او يدافع عنه وعن ماله وممتلكاته غير طائفته فعرف بذلك ما يسمى بالتخندق الطائفي .

من ناحية اخرى فقد ظهرت الكثير من الأمور الجديدة بعد تشكل الدولة الاسلامية والتي لم تكن معروفة للناس من قبل كالتجنيد في الجيوش المسيرة للفتوحات وجباية الضرائب لتمويل الحملات العسكرية وارسال الخراج الى مركز الخلافة مما دفعت الانسان العراقي الى التمرد عليها اما بشكل فردي او بشكل جمعي في محاولة للتخلص من هذه القيود . ونظرا لقوة الدولة وقوة سلطانها الذي كان يستطيع ان يطال كل شيء لم يجد الانسان العراقي ما ينقذه من تلك القيود والفروض غير التخندق والتمترس مع المجموعة التي ينتمي اليها . وكانت المجموعة التي يلجأ اليها الانسان العراقي في مثل هذه الحالات واحدة من اثنتين , اما الطائفة التي ينتمي اليها حين يكون الامر متعلقا بمسألة مذهبية او دينية او سياسية , او القبيلة (العشيرة) حين يكون الامر يتعلق بمال او شأن من شئون الحياة .

وحتى بعد تكون الدولة الاسلامية في العراق واستمرارها فيه لعدة قرون ظل البلد هدف كبير تسعى الممالك الاخرى لاسقاط دولة الاسلام فيه وادخاله ضمن هيمنتها . وبالفعل نجد ان دولة الخلافة في العراق سقطت عام 654 للهجرة تعاقب على حكم العراق بعدها عدة دول اجنبية كالمغول والعثمانيين والصفويين وغيرهم . وبعد سقوط الدولة الاسلامية على ايدي المغول مرت بالعراق موجة من الغزوات والاحتلالات المختلفة بشكل متتالي ادخلت العراق في قرون مظلمة وليل دامس طويل . وقد كانت الغزوات التي تطال العراق بالغة العنف ودموية بشكل لا يصدق , وكانت الجيوش الغازية التي تحتل المدن العراقية تقيم المذابح فيها لايام واسابيع وتستبيح الاعراض وتحرق الاخضر واليابس ولا ينجوا من ذلك الا ذو حظ عظيم . ومما يقال عن هذه المذابح على سبيل المثال بان القائد المغولي تيمورلنك اقيم له عند دخوله بغداد هرم متكون من 700 الف رأس من ابناء هذه المدينة . وحتى المقابر لم تنجوا من اعمال العنف هذه , فكثيرا ما كانت القبور تنبش والعظام الموجودة فيها تجمع وتحرق كتعبير عن مشاعر البطش والانتقام , كما حصل اثناء الغزوات الصفوية للعراق . وامام هذه الموجات من العنف البالغ لم يكن للانسان ما يمكن ان يحميه غير المجموعة التي ينتمي اليها التي يمكن ان تكون العرق او الطائفة او القبيلة .

وفي العصر الحديث وبعد تشكل الدولة العراقية اثر نيل الاستقلال من بريطانيا عام 1933 سعت الدولة ومنذ يومها الاول الى محاربة التخندق الطائفي والعشائري (القبلي) بالعراق . كانت الدولة في حقيقة الامر تحترم بشكل ظاهري الاسس العشائرية وتتيح كل المجالات لممارسة الطقوس المذهبية , لكنها في جميع ممارساتها كانت تحاول جاهدة لاشاعة مبدأ الوطنية واحلال مفهومها في محل المفاهيم الطائفية والعشائرية . يمكن القول بان الدولة نجحت كثيرا في هذا المسعى وخطت خطوات ممتازة فيه , غير ان وجود النظام الاقطاعي كان يشكل حجر عثرة كبيرة في طريق هذه المساعي . كان النظام الاقطاعي نظاما تسلطيا استبداديا ووحشيا , وقد ساهم وجوده في الابقاء على التخندق العشائري ولو بشكل خفي في المجتمعات التي كان يسود بها النظام الاقطاعي . كما ان كون الحكم سنيا والملك يعود الى عشيرة غير عراقية اسهم هو الاخر بالابقاء على تأجج الشعور الطائفي والعرقي ضد النظام ولو بشكل خفي . فلو كان الملك عراقيا ومن طائفة شيعية , ولو لم يكن هناك وجود للنظام الاقطاعي لكان ممكن ان يكون حال العراق ليس كحاله اليوم . كانت اكبر انتكاسة حصلت لجهود الدولة العراقية في احلال الشعور الوطني محل الشعور العشائري والطائفي هو حصول ثورة 14 تموز عام 1958 . اعادت هذه الثورة الشعور العشائري والطائفي واصعدته بممارساتها الى الواجهة . فلكي يسود الفكر الشيوعي بين اوساط الجماهير اشيع مبدأ غريب يعتمد على جهالة الناس هو مبدأ (شيعي يعني شيوعي) من اجل كسب الناس الى هذا الحزب بأي وسيلة , فراح الناس ينتمون اليه وفق هذا المبدأ وبدون علم بمبادئه وافكاره . وللمضي بهذا الاتجاه الى مدى اكبر قوت الدولة بشكل كبير من التخندق العشائري والطائفي في العراق من خلال فرز مجموعات بشرية تجمعها روابط عشائرية وطائفية واحدة واسكنتها في احياء منفصلة في المدن الرئيسية في العراق . بالنسبة للفعل الاول فقد وضع له حد قاصم من خلال الفتوة التي اصدرها سماحة المرجع محسن الحكيم عام 1966 والتي اعلن فيها بان الشيوعية مبدأ كافر وان اعتناقها حرام على المسلمين فترك هذا الحزب معظم الشيعة في العراق مما ساهم في انحسار دورة بالعراق تقريبا بعد ذلك التاريخ . اما بالنسبة للعامل الثاني فان وجوده ودوره قوى مع الزمن ولا زال الى يومنا هذا له اثر كبير في المجتمع العراقي ويساهم باستمرار في تعضيد التخندق الطائفي والقبلي في العراق . لم تكن اخطاء الحكومات اللاحقة باقل من اخطاء هذه الحكومة , فقد عانت الطائفة الشيعية في ظل عهودها ببعض الاهمال والتهميش الذي وقع بشكل او أخر . غير ان اكبر هذه الاخطاء على الاطلاق كان في منع اقامة الشعائر والطقوس الشيعية في عام 1973 والذي استمر لمدة 30 عام متواصلة مما سبب اثارا سلبية خطيرة في المجتمع العراقي . ان لهذه الطقوس والشعائر قدسية كبيرة لدى الشيعي تفوق بمكانتها جميع الفرائض الدينية الاسلامية . لهذا فان منع اقامتها ترك احقادا جمة في نفسية المواطن الشيعي اطلقت نفسها بقوة واسفرت عن ما ترسب خلفها بمجرد ان حصل التغيير بعد عام 2003 . جعل هذا الخطأ الكبير التخندق الطائفي بالعراق يأخذ مداه الى اقصاه وازال عامل الثقة التي كانت موجودة الى حد ما بين طوائف الشعب العراقي المختلفة . ومن احد نتائج هذا التخندق الحرب الاهلية الطائفية التي اشتعلت بالعراق بين الاعوام 2006 - 2008 . وبالرغم من ان نيران هذه الحرب انطفأت وتم تجاوز مسبباتها ونتائجها الا ان احتمال عودتها مرشح للحدوث في اي لحظة بسبب استمرار وجود التخندق الطائفي وبقاء مده في صعود ونزول كالثرمومتر بسبب ما يحصل يوميا من احداث .

من ناحية اخرى فان المقص الانكلوفرنسي وضع في اتفاقية سايكس بيكو جزء من الاراضي التي تسكنها القومية الكردية تقع ضمن دولة العراق . لم يرضى الاكراد بتقسيم اراضيهم بين اربع دول هي العراق وايران وسوريا وتركيا . وحيث ان الخاصرة الاضعف لكي يتكثف نحوها الجهد الذي يهدف الى مقاومة هذا التقسيم كانت العراق نجد ان الاكراد اعلنوا الثورة والتمرد على حكومة هذا البلد منذ ان تأسست الدولة فيه حتى يومنا هذا . ومع ان المجتمع الكردي هو ايضا مجتمع قبلي الا اننا نجد بان الاكراد العراقيين اجتمعوا على محاربة الدولة العراقية يجمعهم بذلك التخندق العرقي . لم يشكل وجود الاكراد ضمن الدولة العراقية اي فائدة له , لكن وجودهم فيه سبب له اعظم ضرر , ولو كانت الحكومة العراقية قد سمحت لهم بالانفصال منذ الايام الاولى لاعلان ثورتهم لكانت قد وفرت على نفسها جهود واموال طائلة كانت يمكن أن تسخر لمصلحة البلد . وخلال محاربة الدولة للثورات الكردية المتتالية نجدها هي الاخرى استخدمت النبرة العرقية لتحشيد المجهود الضروري لذلك . كما انها مارست في بعض الاحيان التطهير العرقي وشجعت على اسكان اقوام عربية في مناطق كردية . وبعد عام 2003 حصلت موجات تطهير عرقي معاكسة وتم تهجير الكثير من الاقوام العربية من مناطق سكناهم من اجلها جعلها مناطق نفوذ كردية تغلب فيها القومية الكردية .

وكما ان العراق يقع في موقع فريد من نوعه , فهو ايضا بحالة فريدة من نوعها من ناحية تركيبة سكانه لانه يضم عرقيات وطوائف مختلفة ذات اديان ومذاهب ومعتقدات مختلفة ايضا . وقد كان لاخطاء الحكومات المتعاقبة للدولة العراقية منذ تأسيسها حتى اليوم الدور الكبير في تأجيج الروح العرقية والطائفية والقبلية بين افراد المجتمع العراقي حتى اصبح التخندق في ظل هذه الفصائل امرا طبيعيا يمارس في كل لحظة وفي كل يوم الى درجة صار فيها صفة من صفات العراقيين . لن ينتهي التخندق الطائفي والقبلي والعرقي من العراق ابدا الا بشيوع المباديء الديمقراطية وانتشار مبدأ قبول الاخر واحترام الراي المقابل . ان هذا لن يحدث بين ليلة وضحاها حتما , وان الوصول اليه كغاية يمكن ان يصاحبه الكثير من المعاناة والالام , لكن بالتأكيد فانه يمكن ان يتحقق في يوم من الايام كما اثبتت تجارب شعوب اخرى مماثلة .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-03-2012 الساعة 02:45 PM
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 07-03-2012, 07:38 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(8)

الذكاء والقدرة العلمية

يعرف الذكاء بانه الصفة التي يمتلكها الانسان والتي يستطيع من خلالها ان يحقق ذاته ويؤكد وجوده ويحافظ على حياته ويضمن استمراريتها ومواصلتها بطريق تصاعدي وتطوري بهدف مليء حيزه بالوجود والتمدد في هذا الحيز الى اقصى حدود ممكنة وتحقيق السيطرة والتحكم بعناصر الوجود المحيطة به والبروز كقائد لمحيطه وصاحب قرار فاعل في الكون . وذكاء الانسان ذو مصدرين وراثي وبيئي . المصدر الوراثي للذكاء يأتي من خلال الجينات التي تنتقل الى الفرد من والديه والتي تمنحه القدرة على التفاعل مع محيطه بشكل مؤثر . اما المصدر البيئي فهو مجموعة عوامل يؤدي توفرها الى تحقق هذا التفاعل بشكل مؤثر وبطريقة ايجابية تصاعدية . اما القدرة العلمية فهي قابلية الانسان على توظيف المعارف التي يكتسبها من خلال التعلم بشكل يؤدي الا استثمار الذكاء الذي يحمله باتجاه تحقيق منجزات ونتاجات لم تكن معروفة من قبل بما يضمن تطور الحياة وديمومتها وتواصل تقدمها . و مما لا يشك فيه بان العراقي يتمتع بذكاء عالي وقدرة علمية وفكرية كبيرة لان المفردات التي اوردناها اثبتت وجودها وحضورها في ربوع المجتمع الشعب العراقي وبين ثناياه على مدى التاريخ .

في عصور ما قبل التاريخ تكونت في العراق حضارات عظيمة اقامت المدن الكبيرة وبنت السدود وازدهرت فيها الزراعة والصناعة واستحدثت الكتابة وووضعت القوانين ونشطت العلوم المختلفة . لم يحدث هذا لمرة واحدة وبطريقة عابرة بل حدث لمرات عديدة في حضارات سومر واكد وبابل واشور والحيرة . كل هذا حدث في العراق بينما كان الانسان في الكثير من مناطق العالم الاخرى (باستثناء مصر) لا زال يعيش في الكهوف وبمفاهيم لا تتجاوز العصور الحجرية . ان نظرة عميقة لهذا الامر لا بد ان تعطي الانطباع بان شعوبا خلاقة ومبدعة وذكية كانت وراء انتاج مثل تلك الحضارات بالعراق في ذلك الزمان السحيق . لكن علينا ان نعي بان توفر العوامل البيئية الضرورية كان له دور مهم واساسي في ظهور الذكاء العراقي الذي انتج تلك الحضارات . وقد كان لوجود الاستقرار الاتي من توفر عوامل القوة لدى تلك الدول بما يضمن التصدي لكل محاولات النيل منها اهم عامل ساهم في استثمار الذكاء وازدهار العلوم نتيجة لرعاية الكفاءات واطلاق الفرص لحصول التطور مما حقق طفرات حضارية هائلة في قياسات ذلك العصر . لكن هذا الذكاء والتطور كان ينتكس ويخمد في كل مرة تسقط فيها الدولة بالعراق بسبب غياب الفسحة التي يمكن فيها للكفاءة ان تتطور وتظهر نتيجة لانتشار الحروب وشيوع القتل وانتشار ثقافة التدمير بدل ثقافة البناء . لكن الكرة كانت تعود مرة اخرى بمجرد ظهور دولة قوية فتعود عجلة البناء من جديد وتتطور الكفاءات ويأخذ الذكاء فرصته من جديد لاظهار نفسه واداء فعله في بناء حضارة جديدة . ان تكرر هذا الامر لاكثر من مرة يعطي الانطباع بان بذور الذكاء موجودة في النفس العراقية بشكل دائم وان فرصته للظهور تأخذ مسارها حالما تتوفر الامكانية لحصول ذلك .

وفي عصر الحضارة الاسلامية عادت الفرصة لتتوفر لبروز الذكاء العراقي لكي يأخذ دوره في بناء الحضارة الاسلامية . كانت اولى نتاجات هذا الدور الذي اخذ يفعل فعله هو بناء مدينة بغداد بين عامي (145-149) للهجرة وجعلها عاصمة للدولة الاسلامية ومقراً للخلافة العباسية . لم تكن بغداد كبقية المدن الاسلامية مثل الفسطاط أو دمشق أو قرطبة مجرد عاصمة لبلد معين بل صارت عاصمة للعالم الإسلامي كله مما جعلها اول مدينة ذات صفة دولية بالعالم . وبعد بناء هذه المدينة اخذت العلوم تتطور فيها وشجعت الدولة ترجمة الكتب العلمية الاجنبية مثل الكتب الاغريقية القديمة والكتب الهندية التي تعني بمختلف العلوم خصوصا في علوم الرياضيات والفلك . وبعد هذا التطور برز علماء عراقيين افذاذ مثل عالم الكيمياء جابر بن حيان الأزدي الذي عاش خلال خلافة المهدي بن المنصور . وفي خلافة هارون الرشيد تأسس في بغداد اول صرح علمي هو بيت الحكمة الذي خصص لأعمال النقل والترجمة وممارسة النشاطات العلمية . وقد ازدهرت هذه المؤسسة في عهد الخليفة المأمون ودرس فيها وتخرج منها مشاهير العلماء العرب في ذلك الزمان . ومن بين هؤلاء محمد بن موسى الخوارزمي الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر ، فوضع كتابه الموسوم "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" كاول كتاب يبحث في علم الجبر واللوغاريتمات واعطاه مدلوله الحالي كعلم من علوم الرياضيات .

وفي مجال الطب والعناية بالمرضى أنشأ العباسيون عدداً كبيراً من المستشفيات وظهر واشتهر بها عدد كبير من الاطباء العراقيين مثل الطبيب الكبير سنان بن ثابت بن قرة (316 هـ) الذي امره الخليفة العباسي المقتدر بامتحان اي شخص يمتهن هذه المهنة ومنحه شهادة تؤهله لذلك . وفي أيام الخليفة المعتصم وولديه الواثق والمتوكل برز الطبيب العراقي يحيى بن ماسويه في سنة (243 هـ) الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة .
كذلك يذكر بهذا المجال الطبيب اللامع حنين بن إسحاق (260 هـ) الذي الف كتباً كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم "العشر مقالات في الـعين" وكتاب "السموم والترياق "وكتاب في أوجاع المعدة وكتاب في الحميات وكتاب في طب الفم والأسنان . ومما يجب ملاحظته بهذا الصدد ما تميز به علماء الإسلام من الجمع بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية ، فالعالم العراقي الكندي (260 هـ) جمع بين المنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة . وإلى جانب هذا الازدهار العلمي اشتهرت بغداد أيضاً بالعلوم الأخرى كالتاريخ والعلوم الشرعية والدينية والادبية . فعلى سبيل المثال الف محمد بن إسحاق بن يسار في عهد المنصور كتاب "المغازي والسير وأخبار المبتدأ" الذي يشمل استعراض التاريخ منذ خلق الله آدم إلى اليوم الذي كان يعيشه فيه . أما في مجال العلوم اللغوية والنحوية فقد شهد العراق ثورة واسعة ضخمة على أيدي علماء البصرة والكوفة الذين حققوا إنجازات وابتكارات علمية في هذا المجال للحفاظ على كلام العرب وتقويم اللسان العربي بعد أن فشا اللحن في كلام المسلمين نتيجة لاختلاطهم بالأعاجم في البلاد المفتوحة . لهذا قام هؤلاء العلماء بجمع وتدوين ألفاظ اللغة العربية وأشعارها من منابعها الصافية في نجد بقلب الجزيرة العربية . ومن أشهر الرواد الذين حققوا هذه الابتكارات العلمية مع بداية العصر العباسي العالم البصري الخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ) . أما الأدب فقد تطور هو الآخر في العصر العباسي تطوراً كبيراً ونهج الشعراء فيـه مناهج جديدة في المعاني والموضوعات والأساليب والأخيلة وغير ذلك من فنون الشعر المختلفة التي تناسب ما انتشر في العصر العباسي من حضارة وترف ولا سيما في رصافة بغداد أو بغداد الشرقية , ومن أشهر الشعراء العراقيين الذين اشتهروا في هذا المجال أبو نواس الذي ذاعت قصائده في كل مكان .


بعد سقوط الدولة العباسية على ايدي المغول انتكست جميع مظاهر الحضارة في العراق وذهب الذكاء العراقي والقدرة العلمية لابناء هذا البلد في غيبوبة وسبات طويل استمر قرونا . السبب الرئيسي وراء هذا الغياب كان الحروب والاحتلالات المتتالية والمذابح والمجازر التي شهدها البلد بعد كل احتلال بالاضافة الى الكوارث والاوبئة التي حصلت خلالها . لم تقم اي من الدول التي تتالت على حكم العراق خلال تلك الفترة برعاية العلم او احتضان الكفاءات بل بالعكس دمرت كل مظاهر الحضارة التي شيدت بالسابق , ولم تنجوا من افعالهم حتى الكتب التي ألفت او ترجمت خلال عهود الدولة الأسلامية . لذلك عاش العراق في تاخر شديد قياسا بمناطق العالم الاخرى , حتى اصبح الوضع بالعراق يشابه ما كان يعيش به العالم في الزمن الذي نشأت فيه بالعراق اعظم الحضارات البشرية . ومع تأسيس الدولة العراقية عام 1933 اخذ الحال بالتغير وبدأت الدولة الناشئة تحاول ان تنهض بالبد من جديد وتعيد بنائه من الصفر . اخذت الدولة تفتح المدارس والجامعات وباشرت بارسال البعثات العلمية الى الخارج للحصول على الشهادات العلمية العليا وبدأ الذكاء العراقي يجد لنفسه موقعا وفرصة ممكنة لكي يعاود نشاطه ويثبت حضوره من جديد . وفي ظل هذا التطور بدأت الشخصيات العلمية العراقية تتقاطر بالظهور وبشكل ملفت للنظر منذ اواسط القرن العشرين . ومن بين هذه الشخصيات اللامعة في مجال تخصصها العالم الفيزيائي الدكتور عبد الجبار عبد الله والعالم الكيميائي الدكتور غازي درويش والعلامة الدكتور علي الوردي والعلامة الدكتور مصطفى جواد , وغير هؤلاء الكثير من الاسماء التي لايسع المجال لذكرها هنا .

اخذ البلد بالتطور بالرغم من حالات التغير المستمر في انظمة الحكم نتيجة للانقلابات المتالية , وبدأت معالم النبوغ العراقي تثبت حضورها ووجودها . وفي فترة السبعينات من القرن الماضي حقق العراق قفزات هائلة على جميع الاصعدة كان اهمها القضاء التام على الامية . وفي المجالات العلمية حقق العراق تقدما لم يسبق له مثيل بالاضافة الى التطور الصناعي والزراعي وكانت منظمة الامم المتحدة قد وضعت العراق على قائمة الدول المرشحة لمغادرة قائمة الدول النامية والانخراط ضمن قائمة الدول المتقدمة . غير ان كل هذا واجه نكسة قوية جديدة منذ مطلع الثمانينات بسبب الحرب العراقية الايرانية وما تبعها من احتلال للكويت وحصار شامل لينتهي بكارثة احتلال العراق وسقوط الحضارة فيه من جديد .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-04-2012 الساعة 06:20 PM
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 07-12-2012, 06:48 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(9)

الطائفية

كنت قد اجلت الخوض بهذا الموضوع عدة مرات بأنتظار ان يتم التمهيد له من خلال استعراض الصفات الاخرى للعراقيين التي يمكن ان تساعد في تفهم واستيعاب هذه الخاصية الشديدة الحساسية . ولكي يكون هذا الموضوع علميا بحتا سيتم تناوله بحيادية تامة وبطريقة تستند على استعراض بعض الاحداث التاريخية التي لا لبس فيها بما يساعد على الخروج باستنتاجات تفسر سبب وجود هذه الخاصية وما ينتج عنها من تداعيات في المجتمع العراقي . ويقصد بالطائفة جماعة او فرقة من الناس يجمعهم مذهب أو معتقد او رأي يمتازون به عن غيرهم . ويطلق على هذه الجماعة اسم (طائفة) كدلالة على انهم جزء من كل وليس الكل بكامله . اما الطائفية فتعرف بانها التعصب لطائفة معينة , اي لجزء معين من الكل . والتعصب هنا يعني محاباة هذا الجزء على حساب الكل ، وهنا بالذات يكمن خطر الطائفية لانها تفضل مصلحة فئة معينة على حساب مصلحة المجموع . والطائفية المقصودة في موضوعنا هذا هي كل تعصب موجود لدى طائفتي الشيعة والسنة في العراق لان الطائفية الموجودة بالنسبة للطوائف الاخرى لا ترتقي ابدا الى مستوى الطائفية الموجودة بين هاتين الطائفتين المسلمتين . وفيما يلي استهراض لبعض الوقائع التاريخية التي ادت الى تكون الطوائف في العراق والتي تركت اثارها على العلاقة بين هذه الطوائف .


ظهرت بذور الطائفية في الاسلام في الساعات الاولى لوفاة النبي (ص) . فبالرغم من مبايعة الخليفة ابو بكر الصديق (رض) من اهم رجالات المسلمين في وقتها الا ان هذا الامر لم يكن مرضيا عليه من قبل الامام علي بن ابي طالب (ع) وبقية افراد أل بيت النبي (ص) . صحيح ان الامر لم يرتقي الى درجة المعارضة العلنية لهذه المبايعة لكن ظواهر عدم الرضا هذا كانت بادية وواضحة مهما حاول المؤرخون اخفائها . لم يبايع الامام علي الخليفة ابو بكر الا بعد مدة طويلة قاربت الستة اشهر بعد ان ذهب اليه عمر بن الخطاب (رض) ونقل اليه طلب ابو بكر بالمبايعة أسوة ببقية المسلمين . استمر هذا الحال من عدم الرضا بعد وفاة ابو بكر (رض) وانتقال الخلافة الى عمر بن الخطاب (رض) ثم امتد وبشكل اوضح الى خلافة عثمان بن عفان (رض) . كان لخلافة عثمان بن عفان وطريقة توليته بها على حساب الامام علي الاثر الكبير في نمو الروح الطائفية في المجتمع الاسلامي لان هذا المجتمع انقسم لاول مرة وبشكل واضح وعلني بين معسكرين , معسكر يؤيد الخليفة ومعسكر اخر يتذمر منه ويرى بان الامام علي كان احق منه بتلك الخلافة وهو الاجدر بها والاصلح منه بتوليها . وقد اطلق فيما بعد على اتباع المعسكر الاول لفظ "السنة" وكان يجمعهم مبدأ الموافقة على الطريقة التي جرى بها تولية الخلفاء بغض النظر عن قرابتهم للنبي (ص) او مكانتهم في الاسلام . ولو تفحصنا معتقد اهل السنة حسب ما تطور لاحقا ونظر له لوجدنا بانه معتقد ديني اكثر مما هو سياسي . والسبب في كونه ديني هو لان السنة يؤمنون بان الممارسات الدينية الاسلامية يجب ان لا تتعدى ما كان يمارسه النبي (ص) وقت نزول الدعوة , او بما يتوافق مع سنته بتعبير ادق . وهو ليس سياسي لانه لا يضع شروط ولا مواصفات معينة في من يجب ان يتولى الخلافة بل يفترض بان هذا هو شأن من شؤون الامة الاسلامية ويمكن ان يحصل حسب ما تمليه الظروف عند كل حالة . اما افراد المعسكر الثاني في ذلك الوقت فقد اطلق عليهم اسم "شيعة أل البيت" أو "شيعة الامام علي" , او اختصارا ما اصبح يعرف بـ "الشيعة" . ويقصد بلفظ الشيعة هنا الجماعة التي تناصر أل بيت النبي وتدعم احقيتهم في الخلافة وتعتقد بان جميع امور الدين الاسلامي وشؤونه يجب ان تكون محصورة بهم فقط بصفتهم البيت الذي نزلت فيه النبوة والورثة الشرعيين للقيام على هذا الدين . لقد جعلت هذه المعتقدات من الفكر الشيعي فكر ذو شقين سياسي اولا وديني ثانيا . فهو سياسي لانه يقرر مسبقا من هو الاحق بالحكم والى من يجب ان يعهد وفق تسلسل موضوع وفق اعتبارات معينة . وهو ديني لاني يفترض بذات الوقت ان جميع الامور التي تتعلق بالدين مناطة بالكامل الى الشخص المعهود اليه بالامر لانه الوارث الوحيد لهذه المسؤولية وان ما كل ما يفعله او يقرره هو من الامور المنزلة من السماء مما يقتضي اتباعه في كل شيء حتى وان اختلف عن ما كان يجري في زمن النبي (ص) . والمعتقد الشيعي معتقد تبشيري دعوتي , اي انه قابل للامتداد والانتشار عن طريق الدعوة لهذا المعتقد . يمكن القول بان الخلاف بين الشيعة والسنة كان بسيطا في البداية وكان يمكن ان ينتهي بمجرد تولي الامام علي لمنصب الخلافة , غير ان استغلال هذا الخلاف من قبل اطراف معادية للاسلام (حتى وان كانت من داخل الاسلام نفسه) ساهم في تطور هذا الخلاف وتعقده بمرور الوقت واخذت التنظيرات توضع له حتى وصل الامر الى خلق فئتين اسلاميتين شديدتي الاختلاف في كل امور الدين .

بعد ظهور المعارضة العلنية لخلافة عثمان مضت الاحداث بالشكل الذي حدثت فيه وقتل الخليفة لاول مرة بالاسلام اثر ثورة اطاحت به وتولى الامام علي بن ابي طالب الخلافة بعده وانتقل بعاصمة الدولة من المدينة المنورة الى الكوفة . كان لهذا الانتقال الاثر المباشر في انتشار التشيع في العراق وظهور الطائفة الشيعية فيه . لم يستقر الحال للامام علي في خلافته لحصول امر في غاية التعقيد ترك اثره على مسرى الاحداث فيما بعد . حقيقة هذا الامر هي ان الامام علي ضم جميع الذين ثاروا على الخليفة عثمان وقتلوه الى جيشه , بل حتى ولى بعضهم مناصب قيادية في هذا الجيش . دفع هذا الاجراء بعض الشخصيات الاسلامية المهمة الى الشعور بان الامام علي كان متواطئا مع هؤلاء فثاروا عليه وطعنوا بشرعية خلافته وطالبوه بتسليم قتلة عثمان للاقتصاص منهم , ومن بين هؤلاء الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ومعاوية بن ابي سفيان . لا يفهم حقيقة الدوافع التي دفعت الامام علي الى هذا الفعل , وقد يكون السبب هو خشيته من هؤلاء خصوصا وانهم اصبحوا يشكلون قوة لا يستهان بها في المدينة بعد مقتل عثمان بن عفان . ادى هذا الخروج على خلافة الامام علي الى حصول فتن وحروب متتالية اهمها معركتي الجمل وصفين , ولم ينتهي الامر الا بمقتل الامام علي في الكوفة وهو يؤدي صلاة الفجر على يد عبد الرحمن بن الملجم . وبعد مقتل الامام علي وتنازل الامام الحسن عن الخلافة لمعاوية بن ابي سفيان هدأت نيران الفتنة قليلا مما زاد في انتشار حركة التشيع في العراق . كانت شروط الهدنة بين الامام الحسن ومعاوية بن ابي سفيان تستند على السير بنفس سياسة الخلفاء الراشدين وان يكون الامر شورى بين المسلمين لاختيار الخليفة اللاحق بعده . لم يلتزم معاوية بهذه الشروط ابدا وتنكر لها , خصوصا بعد وفاة الامام الحسن وعهد لابنه يزيد بالخلافة من بعده . ومن بين ما قام به ايضا أمره بسب الامام علي بن ابي طالب من على المأذن في دمشق عند كل أذان للصلاة , وقد استمر الخلفاء الامويين اللاحقين باتباع نفس هذا النهج الى ان اوقفه نهائيا الخليفة عمر بن عبد العزيز . ونتيجة لخروج معاوية بن ابي سفيان عن شروط الهدنة التي عقدها مع الامام الحسن وتولي ابنه يزيد الخلافة ثار ضده الامام الحسين بن علي (ع) وقدم الى العراق معتمدا على مناصريه الذين كثروا بهذا البلد , غير ان هذه الثورة انتهت نهاية مأساوية بمقتل الامام الحسين ومعظم اهل بيته بواقعة الطف في كربلاء . اسهمت هذه الثورة ونهايتها المفجعة الى زيادة انتشار التشيع بالعراق نتيجة للاحساس بالذنب لكون العراقيين هم الذين دعوا الامام الحسين الى الحضور اليهم , وثانيا لشعورهم بمظلوميته بعد قمع ثورته بتلك القسوة . وبعد هذه الحادثة بعدة سنوات قام المختار بن عبيد الثقفي , وهو قائد عسكري من ثقيف بالانتقام من جميع قتلة الامام الحسين واعلن قيام دولة علوية في العراق تحت شعار (يا لثارات الحسين) والتي كانت سببا اخرا في انتشار التشيع فيه . ساند الشيعة في العراق المختار وقاتلوا معه , لكن دولته لم تستمر طويلا فقد انتهت علي يد مصعب بن الزبير الذي ولاه اخوه عبد الله بن الزبير على العراق وقام بقتل المختار , ولا زال الشيعة الى الان يعظمون ذكراه على اعتبار انه اول من نادى بأخذ الثأر للامام الحسين . ومن خلال تتبع سير الاحداث التي ذكرناها يمكن القول بان اول تعصب سني ظهر في الاسلام ضد الشيعة كان في ممارسة سب الامام علي في المأذن عند كل اذان للصلاة الذي أمر به معاوية بن ابي سفيان , وفي القمع الشرس لثورة الامام الحسين وقتله مع جميع اهل بيته خلال خلافة يزيد بن معاوية . ومع ان السنة يعلنون باستمرار برائتهم من هذه الافعال وينسبوها لمن مارسها فقط لكنها في كل الاحوال ظلت تنسب اليهم كطائفة من قبل الطرف الاخر . وبالمقابل فأن اول تعصب شيعي حدث ضد السنة كان في المجازر التي اقامها المختار بن عبيد الثقفي في العراق ضد قتلة الامام الحسين والتي امتدت لتطال الكثير من السنة في العراق . وبعد حصول هذه الحوادث ظهر العداء العلني بين الطائفتين الشيعية والسنية واختفت الى الابد كل عوامل الثقة فيما بينهما .

ساهم ظهور العداء بين طائفتي الشيعة والسنة في ازدياد التعصب لدى قادة وافراد هاتين الطائفتين واخذت بذور الخلاف تنمو وتتطور وتتسع دائرتها مع الوقت خاصة بعد ظهور مبدأ الامامة لدى طائفة الشيعة كبديل عن موقع الخلافة . وقد بدأت مباديء التنظير لهذا المذهب بالتبلور واخذت أسسه بالترسخ في عهد الامام جعفر الصادق (ع) الذي وضع قواعد هذا المذهب بصفته احد المذاهب الاسلامية حتى انه اصبح يسمى احيانا بالمذهب الجعفري نسبة اليه . وباستثناء ثورة الامام الحسين لم يقم اي امام شيعي اخر بالثورة على الخليفة الذي كان سنيا دائما . ومع ذلك فأن الامام الشيعي كان يمثل باستمرار قطب المعارضة السياسية والدينية الرئيسي للخليفة . ونتيجة للعداء بين الطائفتين كان الشيعة يدعمون اي ثورة تقوم على الخليفة خصوصا تلك الثورات التي يتزعمها افراد يعود نسبهم الى بيت النبي (ص) . ومن هذا المنطلق دعم الشيعة الدعوة العباسية التي قامت في خراسان لسببين اولهما هو نكاية بالدولة الاموية التي نكلت بهم كثيرا , والثاني هو ادعاء العباسيين بانهم من أل البيت بسبب عودة نسبهم الى عم النبي العباس بن عبد المطلب . غير ان العباسيين تنكروا لهذا الدعم ونكلوا بالشيعة بعد قيام دولتهم واستقرار الامر لهم .

ظل عداء الشيعة للخليفة السني بقيادة امامهم مستمرا , وكان الخلفاء العباسيين يحيكون المؤامرات ضد هؤلاء الائمة وكثيرا ما كانوا يرموهم في غياهب السجن او يدسون لهم السم لقتلهم والخلاص منهم لما كانت تشكله الامامة من خطر كبير عليهم . غير ان خيط الامامة انقطع مع اختفاء (غياب) الامام المهدي (ع) , فضعف بعدها بشكل واضح الدور الشيعي كحركة معارضة رئيسية واساسية ضد الخليفة في عهد الدولة العباسية . ومما يجدر قوله هو ان الشيعة بالعراق كانوا يواجهون دائما بقسوة شديدة من قبل الولاة او الخلفاء الذين حكموا هذا البلد لذلك كانوا غالبا ما يضطرون الى ممارسة مبدأ (التقية) في تعاملهم مع هؤلاء الحكام . والتقية هو ركن اساسي من اركان المذهب الشيعي والذي يعني الاظهار بالعلن ما يخالف ما موجود بالقلب في السر . وقد سن هذا المبدأ في المذهب الشيعي لتبرير قبول الامام علي للخلفاء الذين حكموا قبله ومبايعته لهم وعدم اعتراضه عليهم بشكل علني بالرغم من قناعته بانه هو الاحق بالخلافة منهم . مارس افراد الطائفة الشيعية هذا المبدأ مع كافة الحكام القساة الذين حكموا العراق تجنبا لبطشهم مما كان يجعل هؤلاء الحكام يظنون بانهم قد حصلوا على قبول هذه الطائفة لحكمهم وضمنوا ولائهم . غير ان ما كان يضمر بالسر لدى ابناء هذه الطائفة لم يكن غير المقت الشديد لهؤلاء الحكام واتباعهم وتحين اي فرصة ممكنة للخروج عليهم والانتقام منهم والتنكيل بهم . ومع ذلك فقد ضمن هذا السلوك للشيعة النجاة بحياتهم ومعتقداتهم وقبول الانظمة الحاكمة لوجودهم وسماحها لهم بممارستهم لشعائرهم وطقوسهم .

استمر هذا الحال لمئات السنين دون ان تحصل ثورات او فتن او اضطرابات في العراق مما كان يبدوا وكأن الشيعة والسنة كانوا يعيشون بوئام وسلام , لكن بالحقيقة فان هذا الوئام والسلام لم يكن حقيقيا بل كان له سببين اولهما قوة وبطش الحاكم بكل من يعارضه والثاني ممارسة التقية من قبل الشيعة التي تظهر ولائهم وطاعتهم للحاكم . لقد جعل هذا الحال من وضع الطائفة الشيعية بما يشابه البركان الخامد , لا خطر ظاهر له لكن قلبه يفور ويشتعل مما يجعله قابل للانفجار في اي لحظة . ومنذ سقوط دولة المختار بالعراق حتى يومنا هذا كان الحكم في العراق على الاغلب اما سنيا او اجنبيا باستثناء فترات قصيرة اصبح بها الحكم للشيعة ولو بطرق غير مباشرة . كانت الفترة الاولى من هذه الفترات هي فترة حكم البويهيين ايام الدولة العباسية بين سنتي 321 - 474 هـ . والبويهيين هم حكام من ايران سيطروا على مقاليد الامور ايام الدولة العباسية وحكموا العراق وايران وجزء من تركيا دون ان يعزلوا الخليفة العباسي . ولكون البويهيين من الشيعة فقد تم تأسيس المدارس الدينية الشيعية وقام علماء الشيعة في ذلك الوقت بنشر العلوم الدينية الشيعية وتشجيع حركة التشيع في جميع مناطق العراق خصوصاً المناطق المجاورة لبغداد مثل الحلة والنجف الأشرف وكربلاء وغيرها من المناطق . وخلال حكم البويهيين اصبح مقر المرجعية الشيعية في بغداد مما يدلل على مدى النفوذ الذي تمتعت به تلك الطائفة في تلك الفترة . وبعد انتهاء حكم البويهيين حدثت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة قتل فيها الكثير من الناس وعاد اضطهاد الشيعة ليجري مرة اخرى حتى اضطرت المرجعية الشيعية الى العودة الى النجف الاشرف عام 448 هـ حيث لم تعد بغداد ترضى بوجود هذه المرجعية فيها . وبعد سقوط الدولة العباسية على يد هولاكو وغزوه لبغداد وتدميره لهذه المدينة تنفس أتباع الطائفة الشيعية الصعداء بسبب زوال بعض الاضطهاد الذي كان واقعا عليهم كطائفة مذهبية من قبل الدولة العباسية . وبعد فترة تحسنت احوال هذه الطائفة بشكل اكبر نتيجة لاعتناق بعض الحكام المغول الإسلام ودخولهم بالمذهب الشيعي كما هو الحال بالدولة الجلائرية التي تأسست على أنقاض الدولة الإيلخانية من قبل حسن بزرك الجلائري الذي هو من أمراء المغول وان لم يكن مغولي الأصل . وقد حكمت هذه الدولة العراق بين 740 إلى 813 هـ بعد رحيل المغول , وهي دولة شيعية بحتة ولها بصمات واضحة على التشيع في العراق ومن أشهر سلاطينها حسن الجلائري وأويس وابنه أحمد . وفي عام 767 هـ تم بناء الحرم الحسيني كما هو قائم اليوم .

وبعد احتلال العراق من قبل الدولة العثمانية وانتقال الخلافة الى السلاطين العثمانيين عاد الاضطهاد للطائفة الشيعية بالعراق بسبب معارضتهم لهذا الاحتلال من جانب وعدم قبولهم بانتقال الخلافة الى السلطان العثماني لان المذهب الشيعي لا يجيز ان يصبح خليفة على المسلمين من غير قريش بخلاف المذهب السني الحنفي الذي يجيز ذلك . كانت الطائفة الشيعية تعد في زمن العثمانيين أقلية تنظر إليها الدولة بعين العداء , فلم تفسح لها مجالات التقدم في أية ناحية من نواحي الحياة العامة . وفي عام 910 هـ احتل الصفويين بقيادة أسماعيل الصفوي العراق وقاموا بارتكاب ابشع المجازر بحق السنة ونبشوا قبور ائمتهم ومن بينهم قبر الامام ابي حنيفة وحولوه الى حضيرة للخيول . فعل اسماعيل الصفوي بالعراقيين السنة بمثل ما فعله بأهل السنة في ايران حيث نشر التشيع بالعراق بحد السيف وامر بسب الخلفاء الراشدين من على المأذن . استمر حكم الصفويين في العراق 32 سنة انتشر خلالها التشيع بالعراق بشكل كبير وازدهرت فيه الممارسات والطقوس الشيعية الى ان عاد العثمانيين الى احتلال العراق عام 941 هـ في عهد السلطان سليمان القانوني . وبعد اقل من مئة سنة عاد الصفويين واحتلوا العراق عام 1035 هـ بقيادة الشاه عباس الاول الذي لم تكن افعاله بأقل من الفظائع التي فعلها الشاه اسماعيل الصفوي من قبل , لكن العثمانيين عادوا وانتزعوا العراق مرة اخرى على يد السلطان مراد الرابع عام 1047 هـ . لم يذكر التاريخ ابدا بان الشيعة بالعراق قاموا بنجدة او نصرة مواطنيهم السنة من ابناء العراق اثناء الاحتلالات الصفوية , بل بالعكس ساندوا الغزاة الذين كانوا يشاطرونهم نفس المذهب والمعتقدات لانهم رفعوا عنهم بعض الحيف والظلم الذي كان واقعا عليهم . من ناحية اخرى , فان السنة هم ايضا لم ينتصروا ابدا لاخوتهم الشيعة الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد والتهميش على ايدي الولاة العثمانيين . وتدلل هذه الحقائق على ان التعصب الموجود لدى الطائفتين كان يتفوق على اي شعور وطني او عرقي لدى ابنائهما . والحق الذي يجب ان يقال ايضا هو ان اضطهاد العثمانيين للشيعة في العراق كان لا يقارن ابدا بالفظائع التي قام بها الصفويين بحق اهل السنة خلال احتلالاتهم لهذا البلد .

وفي العصر الحديث وبعد هجوم بريطانيا على العراق في الحرب العالمية الاولى اعلنت المرجعية الشيعية وعشائر الوسط والجنوب الجهاد ضد الاحتلال البريطاني ووقفوا إلى جانب الأتراك في الدفاع عن الدولة الإسلامية ضد الغزو البريطاني , وهي مفارقة غريبة أن يدافع الشيعة العراقيين عن النظام العثماني الذي كان يضطهدهم ولم يعترف حتى بمذهبهم . وتعد معركة الشعيبة من المعارك التي شارك بها الكثير من أبناء العراق خصوصا من الشيعة أذ جرى تهيئة حشود كبيرة منهم ساهم في تعبئتها رجال الدين الشيعة . كانت حشود القوات التركية في أدغال البرجسية الواقعة على بعد ستة أميال من الجنوب الشرقي للشعيبة تقدر بحوالي ستة ألاف من الجنود النظاميين ، اما قوات المجاهدين فتزيد عن عشرين ألف . وقد انتصر الانكليز في هذه المعركة بسبب عدم اعتياد المجاهدين على سياقات الحرب النظامية وهربهم من ساحة القتال ولم يصمد في المعركة غير ثلة من الفدائيين الأتراك كان عددهم سبعة وأربعين رجلاً قرروا أما أن ينتصروا أو يموتوا على أرض المعركة فقتلوا جميعاً ولم ينج منهم أحد. وبعد احتلال العراق افتى رجال الدين الشيعة بعدم جواز التعاون مع المحتل , لذلك كان جل اعتماد الانكليز في ادارة البلد على الهنود والعراقيين السنة . وبعد تأسيس الدولة العراقية وتنصيب الملك فيصل الاول ملكا على العراق ظل الشيعة على نفس موقفهم من هذه الدولة الناشئة ومن الملك , لذلك لم يحظى الشيعة باي منصب مهم وظلوا مهمشين طيلة فترة العهد الملكي . لم يتغير حال الشيعة في العهود الجمهورية التي تلت العهد الملكي كثيرا فظلوا تقريبا على نفس تهميشهم السابق باستثناء فترة العهد الجمهوري الاول (1958- 1963) بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم حيث وجدوا في نظامه بعض المتنفس نتيجة لميل هذا الزعيم نحو الطبقات الفقيرة والذين كانوا اكثرهم من الشيعة ومحاولته في اصلاح احوالهم وتحسين ظروف معيشتهم .

وبعد الاحتلال الامريكي للعراق في عام 2003 استفاد الشيعة من خطئهم الستراتيجي عام 1918 والذي ادى الى تهميشهم لمدة 80 عام فتعاونوا مع المحتل الامريكي , بينما وقع السنة في نفس خطأ الشيعة السابق مع البريطانيين مما ادى الى خسارتهم لمعظم مواقعهم السابقة في السلطة . وبعد تنفس الشيعة الصعداء وخروجهم من دائرة السيطرة السنية التي استمرت لمئات السنين اخذوا يعززون مواقعهم في السلطة التي استلموها وأخذوا يمدون نفوذهم بجميع الاتجاهات مستحوذين على جميع مراكز القوة والنفوذ التي يمكن ان تقع تحت ايديهم . لم يرضى العراقيين السنة بسهولة بهذه النتيجة التي وصلوها واخذت مظاهر الرفض تظهر على تصرفاتهم بشتى الاشكال . وفي عام 2006 وبعد تفجير قبة الامامين العسكريين في سامراء اشتعلت نار حرب اهلية طائفية بشعة حصدت ارواح عشرات الالوف من المواطنين الابرياء من الطرفين واصبح القتل ينفذ على الهوية وعلى الاسم وعلى منطقة السكن . غير ان الطرفين ادركوا بنهاية الامر بان هذه الحرب ستأكل الاخضر اليابس ولن يستفاد منها احد فهدأت قليلا في عام 2008 لكنها لم تنطفأ بشكل تام . واستمر الشيعة في تعزيز نفوذهم وتقوية مراكزهم بينما استمر السنة في خسارة مكتسباتهم القديمة حتى اصبحوا يعيشون الان بنفس الوضع الذي عاشه الشيعة في العراق لمئات السنين .

من ناحية اخرى , تعتبر الطقوس والشعائر الشيعية من زيارات ومجالس ومواكب العزاء من اعظم مقدسات الشيعة , وهم يحرصون على اقامتها والبذل فيها الى اقصى درجة ممكنة . ان منع هذه الشعائر او تحديدها كان من اكبر الاعمال التي تغضب الشيعة وتعزز في نفوسهم الروح الطائفية . وكانت زيارة الشيعة لقبر الامام الحسين والأئمة الآخرين قد بدأت في مرحلة مبكرة من الدولة الاسلامية ، وبالذات منذ العهد الأموي حيث كانت تحمل نوع من التبرك بأل البيت , كما كانت متنفسا عن روح الثورة ضد الحكام المكبوتة في نفس كل فرد شيعي . لهذا فقد كان الخلفاء والحكام يدركون بأن هذه الزيارة هي خطر عليهم وحاولوا تطويقها او منعها بأي شكل . فعلى سبيل المثال قام الخليفة المتوكل في العهد العباسي بتدمير قبر الامام الحسين وغمره بالمياه , غير انه فشل تماما في منع هذه الزيارة . اما إقامة مجالس العزاء وإخراج المواكب الحسينية بالشكل الذي نعرفه في يومنا هذا فقد تأسست هذه الشعائر في ايران من قبل الصفويين في القرن السادس عشر وانتشرت هناك دون أن تأتي للعراق . وقد كان الولاة العثمانيون يمنعونها من الدخول إلى العراق واستمروا على ذلك لأكثر من قرنين حتى جاء الوالي على رضا باشا عام 1831 والذي كان يكن حباً شديداً لأل البيت والأئمة الإثنى عشر فسمح بأقامتها في العراق . وقبل ذلك كانت مجالس التعزية تقام بالسر في السراديب , وكان الشيعة يجعلون إمرأة تدير الرحى في صحن الدار لكي لا يسمع المارة في الشارع صوت بكاء ونواح من في المجلس ، خاصة في عهد داود باشا الذي كان متشدداً ضد الشيعة . إن أول رجل استطاع أن يقيم مجلس تعزية علني في العراق كان من أهل النجف اسمه الشيخ نصار بن سعد العبسي , والظاهر أنه اغتنم فرصة الصلح الذي عقد في عام 1821 م بين داود باشا وحكومة إيران فأخذ يقيم مجلس التعزية علنا في داره واقتدى به بعض وجوه النجف تدريجياً . أما في بغداد فقد ظل المنع سارياً حتى مجيء على رضا باشا الذي ازاح داود باشا من الحكم وسمح باقامة هذه الشعائر ,وجرى الولاة بعده على نفس سنته متساهلين في أمر انتشار هذه الطقوس الشيعية . غير ان الوالي مدحت باشا حاول مرة اخرى في منع هذه الشعائر لكنه لم يوفق ، ويقال أنه سأل إسطنبول في أمرها فكان الجواب "دعهم يفعلون ما يشاؤون ما داموا لا يؤذون سوى أنفسهم" . وقد استمر الشيعة في اقامة هذه الشعائر بحرية في عهد الاحتلال البريطاني وما تلاه من عهد ملكي وعهود جمهورية . غير ان هذه الشعائر منعت عام 1973 , واستمر منعها لمدة 30 عام . ومع ذلك فقد كان الشيعة يقيمونها بالسر مستخدمين شتى الطرق الممكنة من أجل ذلك . وبعد عام 2003 انطلق المارد من القمقم واصبحت هذه الشعائر تقام بشكل لم يسبق له مثيل , اذ اصبحت تعطل كل مرافق الدولة لاجلها وتسخر كل قواها من جيوش وطائرات وميليشيات لحمايتها . وكم جرت من محاولات ارهابية تهدف الى التصدي لهذه الشعائر من خلال بعض الوسائل كالتفجيرات الانتحارية والمفخخات والهاونات وغيرها , لكن ذلك لم يحد ابدا من قوتها ومشاركة الناس بها . ومن الملفت للنظر هو ان هذه الشعائر تزداد قوة وتزداد تنظيما وتتعاظم الاموال التي تنفق فيها عاما بعد عام مما يدلل على اهميتها وعمق مكانتها لدى الشيعة من جانب , وللاظهار لاهل السنة بان الامر خرج من ايديهم تماما ونهائيا وانه لن يعود لهم مرة ثانية من جانب اخر .

يتضح من الاحداث التاريخية التي تم سردها , وكذلك مما حصل بعد عام 2003 بان المجتمع العراقي هو مجتمع طائفي وكل من يتجاهل هذه الحقيقة فهو يخدع نفسه قبل ان يخدع الاخرين . نعم , لقد عاش العراقيون بمختلف طوائفهم مع بعضهم البعض لمئات السنين دون ان تحصل بينهم نزاعات طائفية , لكن كان لهذا التعايش السلمي اسبابه التي فرضته مثل قوة وسطوة الحكام واللجوء الى مبدأ التقية من قبل الشيعة . لذلك يجب الاقرار بهذه الحقيقة والتعامل معها بشجاعة وتهيئة الوسائل التي تضمن الأبحار بسفينة البلد بامان دون ان تحصل مشاكل بين الطائفتين الرئيسيتين بالبلد , الشيعة والسنة .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-12-2012 الساعة 07:05 PM
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 07-14-2012, 07:20 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(10)

القدرة على التاقلم ومواصلة الحياة

يتصف العراقي بقدرة عجيبة على التأقلم مع الظروق ومواصلة الحياة بالرغم من كل شيء , وقد اصاب الرئيس الاسبق صدام حسين حين اطلق عليه تعبير (الشعب العجب) لانه فعلا شعب عجيب . فعلى مدى التاريخ مرت بالعراقيين ظروف شديدة لم تمر على اي شعب اخر من ناحية الصعوبة
والمرارة وطول والمدة . ومع ذلك اجتاز هذا الشعب تلك الظروف ونهض من جديد بعد كل كبوة . وبالواقع ان كلمة (كبوة) هي الجنة بعينها اذا ما قارنا معنى هذه الكلمة بتلك الظروف . ان خير استنتاج يمكن ان يخرج به اي دارس او باحث لطبيعة الشخصية العراقية عند قرائته لوقائع تلك الظروف هو ان هذه الشخصية تتمتع بقدرة هائلة على التكيف ومواصلة الحياة وتغيير الحال مهما كان الظرف المار عليها شديدا .

ولو قرأنا بعض صفحات التاريخ ورأينا ما فعله الغزاة من مغول وصفويين وغيرهم بالعراقيين لأمنا بان هذا الشعب هو فعلا شعب عجيب بدرجة لا تصدق . لقد كانت المذابح والمجازر والفظائع والدمار التي تجري بعد كل غزوة لها اول وليس لها اخر . كانت الحياة تباد عن بكرة ابيها ولا يسلم حتى الطفل الرضيع . وكانت الرؤوس المقطوعة تجمع وتكوم على شكل تلال وجبال . وكانت دور العلم تدمر ومعلميها يقتلون ويصلبون والكتب تحرق . وكانت المزارع تحرق والحيوانات تباد حتى لا يبقى شيء يأكل . ومع ذلك لم يكن هناك شيء اسمه "نهاية" امام هذا الشعب لانه لا يوجد هذا الشيء في قواميسه التي ليس فيها غير كلمة "بداية" , لانه لا يركن لغير الحياة لان بذورها موجودة في اجسام ابنائه . وكم من غازي حاول ان يقضي على جذوة الحياة في نفوس هذا الشعب لكنه لم يفلح , ولو بقي من العراقيين رجل وامرأة فقط لاستطاعا ان يخلقا الشعب العراقي من جديد بنفس عزيمته وذكائه وكرمه وشجاعته . ليس هذا غريبا لان العراقيين هم هكذا في كل صفحات التاريخ , انه حقا شعب عجيب ولا مثيل له ابدا .

وفي العصر الحديث مرت على العراقيين ظروف ليست لها مثيل من ناحية الشدة , ومع ذلك فقد اجتازها العراقيين بصلابة بالرغم من كل صعوباتها البالغة . فعلى مدى ثلاثين عاما مرت بهذا الشعب ثلاث حروب شرسة اشتركت بها اقوى دول العالم مجتمعة . في الحرب الاولى التي اشتعلت عام 1980 خاض البلد اطول حرب نظامية في القرن العشرين بلغ مجموع ايامها ما يعادل حوالي ضعف مدة الحرب العالمية الثانية , وخسر البلد فيها حوالي مليون شهيد ومليون جريح وتعرض الى استنزاف اقتصادي ليس له مثيل . وفي عام 1991 تعرض العراق الى اكبر عملية قصف جوي وبحري وبري في التاريخ استمر طوال شهر ونصف شاركت به نصف دول العالم بينها ثلاث قوى عظمى حتى قارب مجموع قوة ما اطلق عليه ما يساوي عشرات القنابل الذرية التي اطلقت على اليابان في الحرب العلمية الثانية . كما تعرض هذا الشعب بعدها الى حصار اقتصادي ليس له شبيه في التاريخ استمر لمد 13 سنة قطعت عنه جميع موارده ومنع عنه في بدايتها حتى الغذاء والدواء وكل شيء مصنع بهدف اعادته الى عصور ما قل الحضارة والتصنيع . وفي بداية هذا القرن تعرض العراق ثانية عام 2003 الى حملة جديدة شاركت بها مرة اخرى اقوى الدول بالعالم ولم تنتهي الا بسقوط دولته واحتلال البلاد بالكامل . وخلال العقد الذي تبع تلك الحرب مرت البلاد بحرب اهلية وهجمات ارهابية لم تحدث ابدا من قبل بمستوى شراستها وبشاعتها , حيث كان يقتل منه يوميا العشرات ان لم يكن المئات من المواطنين ودمر كل شيء حضاري في البلد . وبرغم كل هذه الويلات والمصائب صمد الشعب العراقي واجتاز الصعوبات وعاش ولم يمت او يفنى او يباد . نعم تركت كل هذه الشدائد اثرها عليه لكنه مر بها ولم يفنى . ان من الصعب جدا على شعوب اخرى ان تمر بكل ما مر به العراق وتعيش وتنهض من جديد كما اثبت العراقيين بانهم قادرين عل فعله بعد كل مرة .

وفي سنين الحصار القاسية اكل العراقيين الصخر واستخدموا جذوع الاشجار كوقود لاجل الطبخ واخذوا يخبزون في البيوت ولم يعرفوا طعم الحلوى لسنين متعاقبة . فقدوا ثرواتهم وتبخرت مدخراتهم حتى اصبح ما جمعوه من مال في دهور لا تبلغ قيمته ثمن اوراق دفاتر بالية . اصبحت العملات المعدنية تذاب بعد ان فقدت قيمتها وتصنع منها القدور والحاجيات . اخذ الناس يعتاشون على المزابل ويبحثون بين اكوام القمامة علهم يجدون كسرة خبز يقتاتونها او حاجة يبيعونها ليشتروا بثمنها شيء من الحليب او الطعام لاطفالهم , ورغم كل هذا لم يموتوا ولم ييأسوا . تساوى في هذا الحال الاغنياء والفقراء وسجل التكافل الاجتماعي والتفاني بين افراد الشعب مستويات لا تصدق . وفي سنوات الحرب الاهلية حملوا امتعتهم وهاجروا شمالا وجنوبا للنجاة بحياتهم وسكنوا الخيام لأشهر وسنين وشربوا من المياه الاسنة , لكنهم عاشوا ولم يفنوا . لم يكن هذا ابدا سهلا , لكن العراقيين دحروا المستحيل وتغلبوا عليه وتصارعوا مع الموت وغلبوه , وكم سمعت العراقيين خلال تلك الايام يرددون كلمة "تبا للمستحيل" امام كل صعوبة تواجههم .
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 07-17-2012, 12:32 AM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(11)

ازدواجية الشخصية

اول من اطلق تعبير (ازدواجية الشخصية) على الانسان العراقي هو الباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي . وقد جرت دراسات عديدة في هذا المجال خلصت الى نتيجة رئيسية هي ان ازدواجية الشخصية هو مرض عصبي او ذهاني يجعل صاحبها يمتلك اكثر من شخصية تتصرف كل واحدة منها بمعزل عن الاخرى , وقد تكون كل واحدة منها على علم بوجود الشخصيات الاخرى او تكون مغيبة عن بعضها البعض حسب طبيعة المرض وحالته . وقد توصل الدارسين ايضا الى ان الحالة التي قصدها الدكتور الوردي في بحوثه وكتبه والتي وضعها ضمن خصائص الشخصية العراقية هي حالة تناقض بين الافكار والسلوك وليست الحالة المرضية المبينة اعلاه . والتناقض المقصود هنا هو ان يؤمن الانسان بمجموعة افكار ومفاهيم معينة لكنه يتصرف في بعض الاحيان بطريقة تناقض بقوة تلك الافكار والمفاهيم . وعليه فان من الأصوب من الناحية العلمية والعملية استعمال تعبير "تناقض الشخصية " اكثر من تعبير "ازدواجية الشخصية" لانه يعني التناقض أو عدم الانسجام بين ما يعتقد به الفرد وبين ما يقوم به من سلوك ، او ما يطلق عليه (أبو وجهين) بالتعبير المحلي .

ان تناقض الشخصية هو صفة اساسية من صفات الفرد العراقي وهو يمارسها يوميا سواء عن ادراك او غير ادراك . ان هذه الصفة موجودة لدى الكثير من الناس وفي مختلف الشعوب , لكن على مستوى العراق فليس هناك مبالغة اذا قلنا بان 90% من العراقيين مصابين بها . فعلى النطاق الفردي كثيرا ما نجد الانسان يدعي امام الاخرين تحضره وايمانه بالمفاهيم الحديثة كضرورة اطلاق حرية المرأة , لكنه في البيت وضمن اسرته يمارس اساليب معاكسة تماما اذ يفرض بصرامة على زوجته وبناته ارتداء الحجاب ويمنع عليهم الاختلاط ويتشدد معهم الى اقصى درجة . كما نرى الاب تثور ثائرته اذا علم بان ولده يدخن او يشرب ويعاقبه بشدة على ذلك , بينما هو يقوم بنفس الاشياء دون ان يحاسب نفسه . وفي الاخلاق نرى العراقي لا يظهر غير الاخلاق العالية ويبين دائما اشمئزازه من التفسخ الاخلاقي والتصرفات الوضيعة , لكن ما ان تمسه بشيء لا يرضيه حتى ترى لسانه يطلق من الشتائم البذيئة والالفاظ النابية ما يصعب وصفه وتصديق بان هذه الكلمات تخرج من فم هذا الشخص . وفي (الجنس) نرى العراقي اكثر الناس ادعاءا بانه بعيد كل البعد عن هذا الامر وانه لا يفكر به ابدا , لكن في حقيقة الامر نجد ان الجنس يشغل 99% من تفكير العراقي الى درجة يمكن ان تعزى كل تصرفاته اليومية الى هذا الامر بالذات . وفي الدائرة نجد ان الموظف يظهر امام زملائه بانه غير راضي عن مديره وانه لا يرتاح الى قرارته واسلوبه بأدارة الدائرة , لكن ما ان تجده يلتقي بالمدير حتى تراه اكثر الموظفين امتداحا فيه وتملقا له . كما نرى الموظف يظهر على الاغلب عدم اهتمامه بتبوأ المناصب الاعلى وانه قنوع بما هو فيه , لكنه في الخفاء يحفر لزملائه ويسيء لاعمالهم ويطمس انجازاتهم ويسرق جهودهم بكل وسيلة يستطيع فيها لا لشيء الا للحصول على درجة او منصب اعلى .

وعلى المستوى العام نجد الناس في العراق يعيبون باحاديثهم وينتقدون بشدة كل من يهاجر او يسافر للخارج لغرض الاستقرار , لكنهم في نفس الوقت يراجعون السفارات الاجنبية بالسر لتقديم طلبات اللجوء او الهجرة ويشجعون اولادهم على السفر وعدم البقاء في العراق . كما نرى الناس في العراق ايضا يدعون في اجتماعتهم وصحفهم الى مقاطعة البضائع الغربية كجزء من محاربة الغرب الاستعماري , لكنهم لا يشترون غير البضائع الغربية ويقوموا حتى بتهريبها الى البلد اذا تم منعها فعلا . وكم رأينا الناس يخرجون بمظاهرات تندد بالغرب الاستعماري , لكننا وجدناهم لا يسافرون الى غير دول الغرب لقضاء اجازاتهم ويرسلون اولادهم للدراسة هناك ولا يرغبون بمشاهدة غير الافلام الغربية . وعند حصول حروب ونزعات نجد الناس يخرجون بمظاهرات عارمة يدعون فيها لتجنيدهم وارسالهم الى جبهات الحرب للقتال ضد الاعداء , لكن حين يحصل هذا الامر فعلا نجدهم اول من يختفون عن الانظار . وحين تأسس الجيش العراقي على اساس الخدمة التطوعية خرج الناس بمظاهرات تدعو الى تحويل تلك الخدمة الى الزامية , وحين حصل ذلك بدأ الناس يفرون من هذه الخدمة ويبتدعون شتى الذرائع والاسباب للتهرب والتملص منها . وعلى المستوى العام ايضا , نجد ان الناس في العراق كلهم يتحدثون عن ضرورة محاربة الطائفية والقضاء عليها لانها خطرا كبيرا على الوطن وتهديد لوحدة شعبه , لكن في التصرف نجد ان كل عراقي سني وشيعي هو طائفي لحد النخاع في كل تصرفاته ولا يحرص على غير اقامة الطقوس والشعائر التي تستفز الطرف الاخر وتعزز نواحي الفرقة والتشرذم .

وفي السياسة يظهر نفس الامر ايضا , فالكثير من الحركات السياسية التي وضعت لنفسها مباديء ومعتقدات معينة نظرت لها ونادت بها ونشرتها بين الناس ودعتهم اليها نجدها لم تطبق اي منها بعد وصولها للحكم , بل انها تصرفت بصورة معاكسة لتلك المباديء تماما . وكثيرا ما رأينا الحاكم الذي يصدر دستورا او قانونا في العراق يفرضه على الناس كان هو اول من يخالف هذا الدستور او القانون . وقد رأينا بان حركة سياسية معينة كانت تنتقد نظام سياسي معين وتصفه بانه كان يسرق قوت الشعب وينهب ثروات البلاد , لكن ما ان وصلت تلك الحركة الى الحكم على انقاض النظام الذي انتقدته حتى نجد قادتها وافرادها اخذوا يسرقون وينهبون باضعاف مضاعفة عن ما فعله من سبقهم في النظام القديم . وفي حالة الحاكم القاسي الشديد نجد كل الناس يتذمرون منه ويدعون عليه ويتمنون الخلاص منه ومن حكمه , لكن ما ان ترى نفس هذا الحاكم يزور مدينة او منطقة معينة حتى ترى جموع بشرية هائلة تخرج متظاهرة للاعلان عن فرحتها بزيارته وتهتف بحياته وتدعوا الله ان يمد في عمره ويطيل من بقاء نظامه . وفي السياسة ايضا , نجد من يقول عن الديمقراطية اذا اوصلت فئة معينة للحكم بانها افضل نظام سياسي افرزته البشرية , لكن اذا ما اوصلت هذه الديمقراطية فئة اخرى للحكم نجد نفس هؤلاء يقولون عنها بانها بدعة مخالفة للدين الاسلامي ومن صنع الغرب ومستوردة من الخارج ولا تصلح لنا ابدا . وبما يخص الدستور العراقي الحالي على سبيل المثال رأينا العراقيين السنة هم اول من عارض الفدرالية في هذا الدستور ونددوا بها بشدة , لكنهم اول من طالبوا بتطبيقها على محافظاتهم وقلبوا الدنيا ولم يقعدوها حين لم يتم الاستجابة لذلك . اما الكرد فنجدهم قد اقاموا دولة داخل دولة يحرمون على العراقي غير الكردي من دخولها ويتصرفون في كل شيء بما يوحي بانهم دولة مستقلة تماما , لكن حين يصل الامر الى مناصب عليا في الدولة وحصتهم من الميزانية ورواتب البيشمركة فهم عراقيين ابناء عراقيين .

وممن يظهر عليهم تناقض الشخصية ايضا وبوضوح هم رجال الدين الذين نجدهم لا يتحدثون عن شيء غير المثل العليا والالتزام بتعاليم الدين والابتعاد عن التصرفات البذيئة والفسوق والانحراف , لكننا نجدهم في حياتهم الشخصية يمارسون كل هذه الاشياء بالرغم من انهم يدعون الناس الى الابتعاد عنها . والعراقي يظهر كثيرا ورعه والتزامه بالامور الدينية فهو يحرص على ان يراه الناس وهو ذاهبا للصلاة او للزيارة او الحج لكنه في نفس الوقت يغش ويسرق ويحتال وحتى يشرب الخمر ويزني . كما نرى المرأة العراقية تتحجب لكنها تضع المكياج بشكل صارخ وتحب وتعشق وتكون العلاقات بما لا يتناسب ابدا مع الحجاب الذي ترتديه . وفي المذهب الشيعي نرى العراقي يمارس زواج المتعة ويعتبره حق من حقوقه , لكن اذا احد طلب منه ابنته لنفس الغرض ثارت ثائرته وغضب غضبا شديدا .

وغير هذا الكثير والكثير مما يوصل الى قناعة بان العراقي يعيش في عالمين مختلفين مظهرا شخصيتين متناقضتين . ليس هناك من حاجة الى القول بان هذا الحال يسبب ايضا متاعب نفسية وصراعات داخلية جمة , وهذا فعلا هو حال اغلب الناس في بلاد الرافدين .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-17-2012 الساعة 08:42 PM
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 07-19-2012, 01:55 AM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(12)

البساطة

البساطة صفة من صفات العراقيين ظل الناس يتصفون بها لمئات السنين , غير انها للاسف تغيرت كثيرا في العقود الاخيرة , وسنأتي على بيان اسباب هذا التغير . ليس بالضرورة ان تتعلق صفة البساطة بالغنى او الفقر , فهي قد تكون موجودة عند عند الغني بالرغم من غناه وقد لا تكون موجودة عند الفقير بالرغم من فاقته . المقصود بالبساطة هنا هو عدم التكلف بالممارسات الحياتية والتصرف بكل ما يتعلق بها بطرق عادية وبسيطة . ونعني بهذه الممارسات الاكل والمشرب والملبس والعمل والقيام والتحضير للمناسبات الاجتماعية من اعياد وخطبات وزواجات وفواتح وغيرها . كما ان البساطة تعني ايضا الابتعاد عن كل مظاهر التعقيد في اي شأن حياتي وعدم اللجوء الى الاشياء المصنعة والمبتكرات الصناعية الا بما تقتضيه الحياة بالضرورة .


ان العراقيين يأكلون انواع بسيطة من الاكل معظمها يتمحور حول وجبات تقليدية لا تتجاوز المرق والتمن والتشريب وخبز التنور والبصل والطماطة والطرشي . اما الاكلات الاكثر تعقيدا كالدولمة والكبة حامض فهي لا تطبخ الا بمناسبات معينة كوجود ضيوف او حصول حدث معين . اما في طريقة الاكل فنجد معظم الناس في البيوت العراقية يفترشون الارض اثناء تناول الطعام بالرغم من وجود غرف طعام كبيرة وفخمة في بيوتهم . كما انهم يحرصون على الاكل بشكل جماعي من خلال اجتماع كل افراد الاسرة معا لتناول الطعام , كما ان الاكل كثيرا ما يكون في صحون كبيرة مشتركة يمد الجميع ملاعقهم اليها . بل ان الكثير من الناس لا زال يأكل بيده مظهرا عدم حبه لاستعمال ادوات الاكل من ملاعق وشوكات وسكاكين على اساس انها دخيلة على المجتمع ومستوردة من الخارج , وهم بذلك لا يعبرون الا عن بساطتهم . ومع ذلك نجد الناس يقيمون الولائم والمواد الكبيرة اثناء المناسبات الخاصة لكنها تبقى على الاغلب محصورة في وجبات تحضر بالبيت وتطبخ من قبل نساء الاسرة ومن يتبرع بمعاونتهن عند الضرورة . كما ان العراقيين كانوا معتادين طوال حياتهم (حتى زمن قريب) على المأكولات الطازجة وعدم ميلهم الى المعلبات ولا المواد الغذائية الجاهزة .

اما في اللباس نرى ان العراقي لا يرتدي غير لباس عادي بسيط يتناسب مع طبيعة العمل وطريقة الحياة . في الماضي كانت الدشداشة هي اللباس الشائع , لكن مع تطور الحياة اصبح القميص والبنطلون هو السائد . لا يعني هذا بان العراقيين لا يملكون ملابس فاخرة لكنهم يحتفظون بتلك الملابس لارتدائها في المناسبات فقط . وفي منازلهم , فان العراقيين يقتنون الاثاث الجميل الذي يفي بمتطلباتهم دون الحاجة الى اقتناء اشياء لا حاجة لهم بها . كما ان تزيينهم لبيوتهم كان ينبع من أشياء من مبتكراتهم تصنع من مواد فائضة في منازلهم . كما ان المنازل وسعتها كانت تتناسب مع حجوم العوائل التي تسكنها لذلك فان المساكن كانت صغيرة نسبيا وملاصقة لبعضها , والازقة التي تقع فيها كانت ضيقة لأجل عدم الاسراف في الارض وللتخفيف من حرارة الجو . كما ان العراقيين ظلوا لعقود لايستعملون لاجل التبريد غير المراوح ومبردات الهواء المائية , ولم تدخل على حياتهم المكيفات الكهربائية بشكل واسع الا منذ عقدين تقريبا .

اما بالنسبة للمراسيم الاحتفالية كالخطوبة والزواج والطهور فان الاسر العراقية كانت عادة ما تقيمها في منازلها وتقوم باعداد كل شيء من متطلباتها بنفسها . كما ان الصرفيات التي تنفق عليها كانت معقولة ويشارك بها الجميع من اقرباء واصقاء وجوارين ومعارف . وحتى في الفواتح فان المساهمات والأفضال تتدفق على اسرة المفقود من كل افراد الاسرة والعشيرة لتغطية هذه المناسبات الحزينة , وكثيرا ما يكون مجموع تلك الفضولات التي تنهال على الاسرة ما يفوق الصرفيات التي تنفق فعلا .

غير ان كل هذا قد تغير في عصرنا الراهن . فالناس اخذوا يتنافسون في كل شيء في الاكل والمشرب والملبس والبيت والسيارة والاحتفالات وغيرها . لقد اصبحت مظاهر الحسد والتقليد طاغية ومتفشية في جميع اوصال المجتمع . ولدى البحث عن السبب الذي ادى الى هذا تبين لي بان كله يعود الى تحرر المرأة وانخراطها بالعمل وحصولها على دخل مالي . في الماضي كان رب الاسرة هو المعيل الوحيد لها ومصدرها المالي الاساسي , لذلك فأن طلبات المرأة (على كثرتها) كانت لا تتجاوز ما يمكن ان يوفره رب الاسرة . بل ان المرأة كانت لا تجرؤ على طلب شيء لا يرتضيه الرجل ويوافق عليه . لكن بعد ان تحررت المرأة بشكل نسبي واخذت تعمل ولديها راتب شهري اصبحت اكثر جرأة على زيادة طلباتها والقيام باشياء لا تهدف منها غير اثارة حفيظة نساء اخريات من معارفها وصديقاتها . ان هذا جزء من طبيعة المرأة , فحب اثارة النساء الاخريات هو جزء من انسانيتها . وفي الماضي حين كان الرجل هو السيد المطلق كان من حقه ان يرفض او يعترض على المصاريف التي ترهق ميزانيته . لكن بعد امتلاك المرأة لدخل حالها حال الرجل اصبح ليس من حقه الاعتراض او الرفض على ما تريده او تطلبه .

لذلك فقد شاعت في المجتمع العراقي حاليا مظاهر الترف الغير مبرر والصرفيات التي لا نرى فيها غير الاسراف واثارة حفيظة الاخرين . وبهذا زالت مظاهر البساطة نهائيا من المجتمع العراقي واصبح الناس يتنافسون في كل شيء ابتداء من نوع الطعام الذي يأكلوه الى ملابسهم وبيوتهم واثاثهم وسياراتهم وكل شيء اخر . بل ان الناس اصبحوا يتنافسون حتى في مستويات ابنائهم وصنع المستقبل الذي يريدوه لهم . فقد ترى ابن معين لاسرة معينة هو من اغبى الناس واقلهم ذكاءا لكن والديه يصروا على جعله متفوقا ويستأجرون المدرسين لتدريسه ويرشون معلميه لاعطائه درجات اعلى . وان انهى دراسته الثانوية بمعدل متواضع يرسلوه الى الخارج لدراسة الطب او الصيدلة او الهندسة على حسابهم الشخصي . واذا استطاع هذا الابن بعد جهد جهيد ان يتخرج ويصبح طبيبا او مهندسا سيكون فاشلا في اغلب الحالات وتكون النتيجة هي على حساب المجتمع حتما . كل هذا اصبح يحدث في مجتمعنا العراقي بعد ان تجرد هذا المجتمع عن واحدة من صفاته الاساسية وهي البساطة .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-19-2012 الساعة 04:28 AM
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 07-19-2012, 11:54 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(13)

المثلية الجنسية


المثلية الجنسية هو انحراف سلوكي ينتج عنه ميل الانسان الى ممارسة الجنس مع افراد من نفس جنسه وليس مع الجنس الاخر . وتختلف المثلية الجنسية عن الشذوذ الجنسي في كون الثاني تعبير اشمل يضم جميع الممارسات الجنسية الشاذة (غير الطبيعية) بضمنها ممارسة الجنس مع الحيوانات , ويعني هذا بان المثلية الجنسية هي حالة من حالات الشذوذ الجنسي وليس جميعها . والمثلية الجنسية معروفة في الجنس البشري منذ القدم , فقد تحدثت عنها كتب الحضارات القديمة والكتب الدينية لجميع الاديان . والمثلية الجنسية موجودة لدى الذكور والاناث على السواء . ان الحالة الذكرية للمثلية الجنسية هي الاكثر شيوعا وانتشارا لكون الممارسة الجنسية التي تحصل بين مثليين هي ممارسة كاملة يتوفر فيها عامل الاتصال الفيزياوي الذي ينتج عنه انتقال السائل المنوي من شريك الى الشريك الاخر . اما الحالة الانثوية فهي اقل انتشارا بسبب عدم امكانية حصول الاتصال الفيزياوي الكامل , لكن ابتكار وسائل صناعية اخذت تستعمل لهذا الغرض اخذ يعوض هذا النقص مما اخذ يؤدي الى انتشار المثلية الجنسية بين الاناث بشكل متزايد . ولا وجود للمثلية الجنسية بين الحيوانات مما يدلل على انه مرض نفسي انساني حاله حال بقية الامراض النفسية الاخرى التي تصيب الانسان . ولمعرف اسباب اصابة الانسان بهذا المرض لابد من معرفة انواع وحالات المثلية الجنسية لان هذا يقرب من فهم تلك الاسباب . وتقسم حالات المثلية الجنسية الى ما يأتي :


1- المثلية الجنسية الأضطرارية : وهي الحالة التي تنتج بسبب اضطرار الأنسان لممارسة الجنس مع بني جنسه نتيجة لحالات العزل بين الجنسين الذي تفرضه القيود الاجتماعية والدينية والقانونية . وخير مثال على هذه الحالة ما يوجد من ممارسات جنسية مثلية في السجون ومعسكرات الجيش . وتعتبر هذه الحالة مؤقتة تزول بزوال المسبب الا اذا مورست لمدة طويلة مما يجعلها تترسخ في النفس بحيث تصبح مرض مزمن لا يمكن التخلص منه . وكانت هذه الحالة شديدة الانتشار في الماضي بسبب حالات العزل الشديد التي تحصل بين الجنسين , لكنها اخذت تقل مع الزمن نتيجة لزيادة الاختلاط بينهما .

2- المثلية الجنسية المكتسبة : وهذه الحالة هي الاكثر شيوعا في زمننا الحالي وهي تنتج عن قيام شخص بالغ بممارسة الجنس مع مثيل غض تكون حواسه الجنسية في طور التفتح . ان الاثارة التي تسببها هذه الممارسة لدى الشريك الغض تترك اثارها بشكل مباشر على الدماغ مما يجعل هذا الشريك يميل بشكل لا ارادي الى نفس هذا النوع من الممارسة كلما نضجت حواسه الجنسية بشكل اكبر بهدف الحصول على نفس الاثارة التي حصلت معه في المرة الاولى . وتسبب هذه الحالة من خلق نفس المرض لدى الشريك والذي يتأصل به مع الزمن بحيث يصعب الشفاء منه . ويمكن تشبيه هذه الحالة بنفس فعل الفايروس الذي ينقل العدوى من شخص مصاب بمرض الى شخص سليم .

3- المثلية الجنسية الخلقية (بفتح الخاء) : هذه الحالة تنتج عن وجود انحراف خلقي في تكوين الانسان , اي نشوء الذكر وهو يحمل صفات انثوية اكثر مما هي ذكرية ونشوء الانثى وهي تحمل صفات ذكرية اكثر مما هي انثوية . وهذه الحالة تسبب الميل نحو نفس الجنس نتيجة لزيادة في افراز الهرمونات التي لا تتوافق مع جنس الانسان , اي وجود فيض من الهرمونات الانثوية لدى الرجل ووجود افرازات هرمونية ذكرية كبيرة لدى المرأة . اخذ العلم يبتكر طرق في تعديل جنس الانسان اذا وجد ما يساعد على تنفيذها , اي بتحويل الرجل الى مرأة وبتحويل المرأة الى رجل .

ان ما يعنينا مما تقدم هو الحالتين الاولى والثانية , لان الحالة الثالثة هي ناتجة عن خلل خلقي لا يد للانسان فيه . بالنسبة للحالة الاولى فهي تحدث في المجتمعات التي لايرى فيها الرجل المرأة ولا ترى المراة الرجل الا بعد الزواج . ونظرا لكون المدة الذي تتبع البلوغ لحين الزواج قد تمتد من 10 الى 15 سنة وما يرافق هذا السن من رغبة شديدة لممارسة الجنس فان الشخص سيضطر في كثير من الاحيان الى ممارسة الجنس مع نفس ابناء جنسه , اي قيام الذكر بممارسة الجنس مع ذكر اخر , والانثى بممارسة الجنس مع الاناث . ان هذه الحالة عادة ما تكون متنفسا وحيدا في البداية يلجأ اليه الانسان للتغلب على حالة الكبت الشديد لحواسه الجنسية , لكنها كثيرا ما تترسخ وتتأصل اذا ظلت تمارس لمدة طويلة . وخير دليل على ان هذه الحالة اضطرارية هي ميل الذكر الى ممارسة الجنس مع مثيل تظهر عليه بشكل واضح علامات الانوثة كالجمال والنعومة والرقة , وايضا ميل المرأة الى ممارسة الجنس مع مثيلة تظهر عليها علامات الرجولة كالخشونة والصلابة . ففي الحالة الذكرية نجد بان الممارسة الجنسية غالبا ما تحدث بين شخص بالغ مع فتى صغير لما تكون عليه حالته من نعومة ورقة . وتسمى ممارسة العملية الجنسية بين ذكرين مثليين بـ (اللواط) نسبة الى النبي لوط (ع) الذي بعث الى قومه الذين انتشرت بينهم هذه الظاهرة . ويسمى العنصر الايجابي في هذه العملية بالملاط , بينما يسمى العنصر السلبي فيها بالملاط به .

اما في الحالة الانثوية فأن المثلية الجنسية غالبا ما تحصل بين امرأة بالغة شابة وامرأة متقدمة بالسن لما يبدوا عليها من بعض علامات الخشونة نتيجة لتقدم السن . ان الخطر الرئيسي في هذا الموضوع هو ان المثلية الجنسية الاضطرارية غالبا ما تؤدي الى خلق الحالة الثانية من المرض , اي انتقال عدوى الانحراف من الشخص البالغ الى الشريك الغض مما ينتج عنه خلق المثلية الجنسية المكتسبة , كما هو الحال الذي يحصل بين الرجل الكبير والغلام . ان هذا يؤدي بأستمرار الى نشوء اجيال جديدة منحرفة جنسيا , وهذا هو بالضبط ما موجود ومنتشر في عصرنا الراهن .

وتنتشر المثلية الجنسية في جميع المجتمعات البشرية بدون تمييز , لكنها تكثر في مناطق معينة من العالم اكثر من مناطق اخرى . وتنتشر هذه الظاهرة بشكل بارز في اقطار الجزيرة العربية والخليج العربي وبعض الاجزاء من العراق . ويعود السبب في زيادة هذا المرض في هذه المناطق الى كون المجتمعات السكانية التي تعيش في هذه المناطق هي مجتمعات بدوية يشتد فيها العزل بين الجنسين بسبب الأعراف القبلية والقيود الاجتماعية والدينية . ولم يتطرق الدين الاسلامي كثيرا الى ظاهرة المثلية الجنسية , لكنه دفع بأتجاه تشجيع الزواج المبكر في هذه المجتمعات لتطويقها , غير ان صعوبات الحياة والمتطلبات الاقتصادية الكبيرة للزواج ظلت حائلا امام سهولة الزواج بين الشبان والشابات . لذلك ظلت هذه المجتمعات تعيش تحت وطأة هذا العزل لمئات السنين , مما سبب انتشار الانحراف الجنسي المثلي بصورة كبيرة فيها , خصوصا المثلية الذكرية . وقد اصبحت هذه الظاهرة صفة ملتصقة بهذه المجتمعات تتحدث عنها جميع الشعوب الاخرى . وقد وصل الامر في استفحال هذه الظاهرة حد القيام باحتفاليات زواج بين مثليين ذكريين . كما ان كثير من الكتب التي الفها باحثين مستشرقين غربيين تحدثوا عن وجود هذه الظاهرة في تلك المناطق , بل ان بعضهم كتب بشجاعة وقال بانهم انفسهم كانوا ضحية لها نتيجة لتواجدهم في تلك الدول لفترات من حياتهم . ومن القصص التي تروى في هذا المجال ان الكولونيل الانكليزي (لورنس) الذي ارسلته المخابرات البريطانية الى الحجاز لتسهيل مهمات الجيش البريطاني في المنطقة العربية كتب بعد مدة الى الجنرال اللنبي يطلب منه اعفائه من مهمته لانه يتعرض باستمرار الى الاعتداء الجنسي من قبل بعض الامراء والقادة العرب حتى انه ادمن عليه . لكن الجنرال الانكليزي طلب منه الاستمرار بمهمته لانه شعر بان هذا التطور قد يفيد هذه المهمة بشكل اكبر ولا يضرها . وبخلاف هذه المجتمعات , نجد ان المجتمعات السكانية التي تعيش في شمال العراق والشام ومصر لا تكثر فيها ظاهرة المثلية الجنسية , وقد يعود السبب لهذا هو ان هذه المجتمعات حضرية تسكن المدن مما جعلها اقل تشددا في العزل بين الجنسين .

ولو تحدثنا عن العراق بشكل خاص لوجدنا بان المثلية الجنسية تزداد كلما اتجهنا صوب البادية العربية في الجنوب , بينما تقل كلما اتجهنا شمالا . وبالرغم من تطور المجتمعات العراقية في العصر الحديث وانحسار القيود الني تفرض العزل بين الجنسين الا ان هذه الظاهرة لا زالت موجودة ومتأصلة بسبب تحول شكلها من المثلية الاضطرارية الى المثلية المكتسبة . ان الكثير من الفتيان الصغار في المدن العراقية يتعرضون للاغتصاب من اقاربهم او معلميهم او من شبان محلتهم الاكبر عمرا . وتؤدي هذه الحالات الى خلق عناصر مثلية سلبية في بداية الامر تتطور لاحقا مع تقدم العمر الى مثلية جنسية ايجابية , اي يصبح الشخص الذي كان ضحية حين كان صغيرا هو نفسه مصدر للعدوى التي ينقلها بدوره الى فتيان صغار جدد , وهلم جرا . ويسمى الفتى الذي يصبح مثلي جنسي سلبي في المجتمع العراقي بـ (فرخ) , بينما يسمى المثلي الجنسي الكبير (فرخجي) , وكثيرا ما يوصف هذا الاخير ايضا بتعبير (يدور فروخ) . وفي المجتمع البغدادي على وجه الخصوص يسمى الاول بـ (دلقلي) بينما يسمى الثاني بـ (قرم بارة) . والمجتمع العراقي يحتقر المثلية الجنسية بشكل عام لكنه يشدد في احتقاره بشكل اكبر للفرخ او الدلقلي لانه يعتبره فاقد لرجولته ويضعه في مكانة ادنى من المرأة التي هي محتقرة من الاصل . وبالرغم من احتقاره للمثلية الجنسية لكننا نجد المجتمع العراقي ينظر بنظرة ارفع الى الفرخجي او القرم بارة لانه يعتبره ذو فحولة مضاعفة أذ يستطيع بقدراته ان يذل الفحول الاخرين من خلال ممارسة الجنس معهم (او اللواط بهم) . وقد عرفت الكثير من الشخصيات العراقية سواء في الماضي او في العصر الحديث بانها كانت تمارس المثلية الجنسية . وقد كتبت الكثير من القصائد من قبل شعراء مشهورين تغنوا فيها بعشاقهم من المثليين الجنسيين , وما ديوان الادب البذيء للشاعر معروف الكرخي الا مثال حي على هذا . اما في الحالة الانثوية فأن المرأة المصابة بهذا المرض تسمى (باجي) , وليس هناك تسمية اخرى لصعوبة التمييز بين العنصر السلبي والعنصر الايجابي في هذا النوع من الشذوذ . وفي الماضي كانت الشبهة تطال النساء اللواتي يقمن حفلات (قبول) بكثرة ويدعى بانها تقام لممارسة الجنس المثلي وان معظم من يحضرنها هن من الباجيات . ولا يستطيع المثلي الجنسي الذكري الزواج , واذا حاول ذلك فان زواجه كثيرا ما يفشل وينتهي بالطلاق لتقصيره بواجباته الزوجية تجاه زوجته وعدم استطاعته التخلص من المرض المصاب به . لذلك يعزف الكثير من الرجال المثليين عن الزواج ويعيشون اما وحدهم كعزاب او مع شركائهم المثليين . لهذا فان بقاء الرجل بدون زواج بالرغم من تقدم عمره كثيرا ما يفسر من قبل الاخرين بانه لابد وان يكون مصاب بالمثلية الجنسية . اما المرأة المثلية فأنها تستطيع الزواج والانجاب دون عائق لانها تستطيع ان تبقى تمارس الجنس مع مثليات اخريات دون ان يتأثر زواجها بشيء . الامر الوحيد الذي تكون عليه هذه المرأة هو برودها تجاه زوجها لانها لا تحس بالمتعة من ممارسته الجنس معها .

ان من الصعب جدا القضاء على هذه الحالة اذا انتشرت في مجتمع ما الا بتغيير شامل في كل نواحي الحياة بهذا المجتمع . ومن جملة التغييرات التي يجب ان تحدث تشمل رفع كل قيود العزل بين الجنسين وسن قوانين صارمة بحق البالغ الذي يكتشف بانه مارس الجنس مع قاصر . وعلى العكس من ذلك نجد ان المجتمعات العراقية اخذت تتجه للاسف بعكس هذا الاتجاه في السنين الأخيرة , فحالات العزل اخذت تزداد وطأة وعاد الفصل بين الجنسين ليشمل المدارس الابتدائية , وقد نجده يمتد قريبا ليشمل حتى رياض الاطفال . كما ان هناك حالة تزداد قوة تنادي بالعزل بين الجنسين حتى في الجامعات والكليات . ان المجتمع العراقي الذي لا يزال يعاني من انتشار المثلية الجنسية ببعض مناطقه سيصاب بانتكاسة جديدة ترفع من حالات انتشار هذا المرض فيه بدلا من اتخاذ خطوات فعالة لازالته تدريجيا .
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 07-21-2012, 06:45 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(14)

التمسك بالعادات والقيم السائدة

العراقيون من اكثر الاقوام البشرية تمسكا بالقيم والمباديء والعادات السائدة حتى وان كانت غير صحيحة . ويصعب تشخيص هذه الصفة ان كانت صفة ايجابية او سلبية , لكنها على الارجح واقعة في الوسط بين هذين التصنيفين . كما ان الشعب العراقي ايضا من اكثر الشعوب ابتداعا للقيم الخاصة التي تسود على مستوى الفئة , سواء ان كانت هذه الفئة هي العشيرة (القبيلة) او الطائفة او المدينة ... الخ . والقيمة المقصودة هنا (او العادة) هي اجراء او اختيار او تفضيل او حكم يقوم به الانسان مهتدياً بمجموعة من المبادئ التي تتبناها الفئة التي يعيش ضمنها والتي تحدد المطلوب او المرغوب فيه والغير مرغوب به في سلوك الفرد . والقيم على نوعين , اخلاقي واجتماعي . بالنسبة للقيم الاخلاقية فهي على الاغلب مجموعة مفاهيم سلوكية تسعى لتنظيم العلاقة بين الافراد يكتسبها الانسان من محيطه وتتجذر في نفسيته حتى تصبح جزء من شخصيته . اما القيم الأجتماعية فهي مجموعة عادات وتصرفات يقوم بها كافة افراد الفئة حتى تصبح اعراف اجتماعية تسري على الجميع وتصبح جزء من حياتهم بحيث يصعب تركها او تجاوزها . وليس من الضروري ان تكون القيم التي تتبناها الفئة وتظهر على مواقف أفرادها وتتجسد في سلوكياتهم ذات صفات مثلى دائما , لكنها في جميع الاحوال تصب بالضرورة باتجاه ومصلحة الفئة . كما ان القيم عادة ما تتميز بخصائص معينة هي التي تعطيها قوتها واستمراريتها , ككونها حصيلة لتجربة جماعية وليست من نتاج فرد معين حتى وان كانت تتجسد في نمط يتعلق بالسلوك الفردي . واخيرا فان القيم يجب ان تحمل صفة العمومية , بمعنى انها موضوعة لجميع أفراد الفئة وليس لافراد معينين فيها , وهي تنتقل من جيل إلى جيل عبر التربية والتنشئة الاجتماعية .

ان منبع القيم والعادات والاعراف في المجتمع العراقي يعود الى عدة مناشيء منها تاريخية ومنها دينية ومذهبية . ولكون المجتمع العراقي هو مجتمع فئوي (عشائري وطائفي وعرقي) , فان لكل فئة من هذه الفئات قيمها وعاداتها الخاصة التي تلتصق بها . وبالرغم من تشابه القيم والعادات بين الفئات المتشابهة لكونها تعود لمجتمع واحد ذو تاريخ واحد ودين واحد , فقد حاولت كل فئة ان تكون لها ملامح وخواص تميزها عن الفئات الاخرى بحيث تعطيها شخصية خاصة بها . فلو اتينا الى العشائر في العراق لوجدنا بانه بالرغم من تشابهها في قيمها وعاداتها ومبادئها الا انها مع ذلك تحاول ان تبتدع لنفسها أشياء خاصة بها , كأختيارها لاسم معين وعلم تختص به دون غيرها من العشائر وبعض الميزات الاخرى . اما قيم العشيرة فهي تشبه الدستور كونه عبارة عن مجموعة من المباديء التي يلتزم بها الجميع وتكون هي الفيصل الحاكم في العلاقات بين افرادها . ويمكن القول بان نفس هذه الاشياء تنطبق على الطائفة والقومية وجميع انواع الفئات في المجتمع العراقي .

ان اسباب التمسك الشديد بالعادات والقيم السائدة لدى العراقيين يعود الى الاسس التي ادت الى تجذر هذه الاشياء في شخصية العراقي . فكما عرفنا في حلقة سابقة لماذا كان المجتمع العراقي مجتمع متخندق عشائريا او طائفيا او عرقيا سنعرف من تطبيق نفس تلك الدواعي لماذا ان العراقي متمسك بالمباديء والقيم التي تحملها الفئة التي ينتمي اليها , سواء ان كانت عشيرة (قبيلة) او طائفة او قومية . المهم في هذا الموضوع هو ان اي فئة من هذه الفئات تلتزم التزاما تاما , قد يصل الى درجة الالتزام الاعمى , بالمبادي والعادات السارية ضمن تلك الفئة . وان الخروج على هذه المباديء والعادات يعد خروجا عن الاطار الذي يجمع الناس تحت ظل تلك الفئة مما يمكن ان يترتب عليه عقوبات تصل الى درجةاقصاء الشخص الخارج على تلك الاسس من الفئة برمتها . كما ان الالتزام بتلك العادات والتقاليد امر طاغي على تصرفات افراد الفئة يتوارثونه اب عن جد وجيل عن جيل ولا يفكرون ابدا في الخروج عليه .

ومن الامثلة التي شاهدتها في حياتي شخصيا هي حادثة حصلت في اوائل السبعينات حيث حضرت مواكب التطبير في مدينة الكاظمية في بغداد فجر يوم عاشوراء . واثناء مراقبتي لتلك المواكب لاحظت توقف سيارة مرسيدس حديثة وفاخرة في رأس احد الازقة هبط منها شخص يرتدي كفن التطبير ويحمل (قامة) بيده تقدم نحو المكان الذي كنت واقفا فيه واخذ يتلفت يمينا ويسارا وكانه يبحث عن جماعة معينة . وبعد قليل رايته ينظم الى احد المواكب ويأخذ بترديد العبارة المشهورة في مثل هذه المناسبات (حيدر ... حيدر) ثم اخذ يطبر على راسه مما جعل الدماء تنزف على الكفن الذي يرتديه . وبعد حوالي نصف ساعة انسحب من الموكب وعاد الى سيارته وقادها مبتعدا عن المنطقة . شد اهتمامي هذه الحدث فسألت الحاضرين عنه فقالوا لي بان هذه الشخص هو طبيب شهير وهو منذور من طفولته بان يقوم بالتطبير كل عام في مناسبة عاشوراء لهذا فهو لا يترك هذا الامر ابدا . وعلى ذكر هذا الموضوع ايضا نلاحظ في يومنا هذا كيف اخذت مجالس العزاء ومواكب التطبير تقام في جميع المدن التي هاجر اليها العراقيين , فنحن نراها تقام الان في ستوكهولم وتورنتو ولندن ونيويورك وغيرها من المدن الشهيرة بالعالم . ان هذه الأمور تدل على مدى تمسك العراقيين بعاداتهم وتقاليدهم .

كما ان هذا الالتزام ليس مقتصرا على العادات والتقاليد بل انه يمتد حتى الى الاخلاق والطبائع والخواص . فالعراقيين حملوا معهم كل خواصهم وصفاتهم الى المدن التي سكنوها وهاجروا اليها . فقد حملوا اليها كرمهم وشهامتهم وبساطتهم وذكائهم وقدرتهم على التكيف , بالاضافة الى بعض صفاتهم السلبية كطائفيتهم وازدواجيتهم وغيرتهم وتحاسدهم وغيرها من الصفات . ولو ذهبنا الى اي مجمع تقطنه مجاميع من العراقيين المهاجرين لوجدنا ذلك الوسط الذي يعيشون فيه يتحول الى عراق مصغر في كل شيء . فالناس هناك يتزاورون ويتشاركون في احياء المناسبات ويتعاونون على اجتياز الصعوبات . ان هذا يدلل ايضا على ان من الصعب جدا اقتلاع العراقي من محيط الافكار والمباديء والعادات التي يؤمن بها لانه متمسك بها بقوة .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-21-2012 الساعة 08:23 PM
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 07-28-2012, 07:19 PM
الصورة الرمزية وسام الشالجي
وسام الشالجي وسام الشالجي غير متواجد حالياً
*^ ذاكرة العراق وسندباده ^*
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العـراق
العمر: 57
المشاركات: 300
معدل تقييم المستوى: 5
وسام الشالجي is on a distinguished road
افتراضي رد: خصائص الشخصية العراقية ... بين الايجاب والسلب

(15)

استباحة المال العام والسائب

هذه واحدة من صفات العراقيين السيئة , ان لم تكن اسوئها على الاطلاق . والمال العام المقصود هنا هو املاك الدولة مهما كان نوعها وخواصها , اما المال السائب فهو المال الغائب عنه صاحبه لسبب من الاسباب دائميا كان هذا الغياب او مؤقتا , او المال الذي يعجز صاحبه عن الدفاع عنه . اما الاستباحة فتعني سرقة كل ما يمكن سرقته والاستيلاء عليه بأي وسيلة ممكنة سواء ان كان هذا بعمل فردي او بعمل جماعي . ولا يقتصر الامر على الاستباحة فقط بل يتعداه الى التدمير والحاق الاذى بالملكية , خصوصا حين تكون الاستباحة متعذرة لسبب من الاسباب .


لقد اتصف العراقيين بهذه الصفة منذ القدم , وربما كانت هي احدى اسباب عدم وجود شواهد حضارية كبيرة وشامخة في بلاد ما بين النهرين كما هو موجود في البلدان الاخرى التي شهدت قيام حضارات كبيرة فيها كما حصل في العراق . وكان اجمل وصف قرأته لهذه الحالة هو ما جاء على لسان الباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي في كتابه (لمحات عن تاريخ العراق الحديث) اثناء تحدثه عن فترة الحكم العثماني للعراق حين قال بان العراقيين يحملون دائما فكرة (ان الدولة عدوة لهم مما يستوجب ان يقتل رجالها وموظفيها وتستباح ممتلكاتها) . وبالفعل فأن العراقيين يطبقون هذا المبدأ بحذافيره اينما كان ذلك ممكنا . لهذا يشهد العراق من حين لاخر استباحة شاملة لممتلكات الدولة في كل زمان تضعف فيه الحكومة وتعجز فيه عن مواجهة العامة او الدفاع عن ممتلكاتها . كما يمكن ان تحدث الاستباحة حتى للممتلكات الخاصة التي يغيب اصحابها عنها او يعجزون عن حمايتها حتى وان كانوا موجودين معها . اما في غير هذه الاوقات فان الفرد او المجموعات يتعمدون الحاق الاذى من خلال تدمير اي شيء يعود للدولة , وبالذات حين تعجز ايديهم عن سرقة هذا الشيء . ويطلق بالمفهوم العراقي على عمليات الاستباحة هذه بـ (الفرهود) , وفعلها (يفرهد) .

ان مصصلح (الفرهود) يعني عملية السلب والنهب للمال والممتلكات . وكما ان كلمة (فرهود) موجودة باللغة العربية , او باللهجة العراقية على وجه الخصوص , فان هناك الفاظ اخرى موجودة ايضا تمت بصلة الى نفس العملية . فهناك على سبيل المثال الحرامي والسارق واللص والنشال والبواك والنهيبي واللوتي وغيرها . وعندما يسرق الشخص يقال عنه ان يده طويلة او ان يده خفيفة , ويقولون في وصف السارق المحترف بانه (يسرق الكحل من العين) . وخلال الحصار الاقتصادي في التسعينات شاعت كلمة (قفاص) , وفعلها (يقفص) في وصف المحتال الذي يستطيع بذكائه خداع ضحيته ليجردها مما تملك . وبعد حرب 2003 اضيفت مفردة جديدة أفرزتها تلك المرحلة هي كلمة (الحواسم) , فاصبح من نهب وسرق بعد تلك الحرب عن طريق القوة المسلحة يسمون بـ (الحواسم) واصبحت العملية تسمى بـ (الحوسمة) , اي يحسمون الأمور بسرقتها عنوة . اما البضاعة المسروقة فتسمى (بضاعة الحواسم) , اي المسروقة بواسطة حرامية الحواسم . ويعود اصل هذه الكلمة الى معركة (الحواسم) , وهي الأسم الذي اطلق على الحرب الاخيرة من قبل الرئيس الاسبق صدام حسين .

ومنذ تأسيس الدولة العراقية لحد الان تكرر ما يعرف بالفرهود لاكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة . ولاجل القاء الضوء على سبب وجود هذه الصفة لدى العراقيين لابد ان يجري استعراض لحوادث الفرهود المشهورة التي حصلت في العراق , خصوصا تلك التي حدثت في العصر الحديث .

1- فرهود 1-2 حزيران عام 1941 ضد اليهود العراقيين : كان هذا هو الفرهود الاول الذي حصل خلال الفترة التي اعقبت تأسيس الدولة العراقية , وقد استهدف على وجه الخصوص اليهود في بغداد . ففي مايس من عام 1941 قام رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بحركة انقلابية بمساندة العقداء الاربعة من الجيش وعلى رأسهم العقيد صلاح الدين الصباغ . وقد اقال الانقلابيون الوصي عبد الاله بعد فراره من بغداد الى البصرة ومنها الى بارجة بريطانية راسية في الخليج العربي . اما نوري السعيد الذي كان مطلوبا ايضا من قبل الانقلابيين فقد فر بمساعدة السفارة البريطانية الى مصر . وقد عين الانقلابيين وصي جديد على العرش واعلنوا انضمام العراق الى دول المحور بقيادة المانيا النازية واعلنوا الحرب على بريطانيا في خطوة تنم عن عدم اكتراثهم بمصالح العراق بقدر اهتمامهم بمصالحهم الشخصية . وتأثرا بمواقف المانيا النازية من اليهود فقد حدثت مضايقات وتحرشات باليهود العراقيين , لكن والحق يقال لم تحدث اي اعمال عنف ضدهم . ونتيجة لاعلان الحرب على بريطانيا فقد هاجمت القوات العراقية القوات البريطانية المعسكرة في قاعدة الحبانية وحدثت معركة كبيرة انكسر فيها الجيش العراقي امام القوات البريطانية وعادت القوات المنكسرة متقهقرة الى بغداد لتفاجيء بقيام اليهود بمظاهر احتفالية ووضعوا السماعات على سطوح منازلهم التي اخذت تذيع اغاني تنم عن الفرحة بانكسار الجيش وهرب الانقلابيين . وفي 1 حزيران وفي ظل غياب الحكومة والسلطة هبت جموع بشرية كبيرة من سكان بغداد الذين اغاظهم موقف اليهود هذا حاملين السكاكين والقامات والفأوس وتوجهوا الى مناطق سكناهم في (التوراة) في باب الشيخ وحدثت مذبحة بشرية كبيرة قتل على اثرها المئات (ويقال الالاف) من اليهود واغتصبت نسائهم وسرقت منازلهم ومتاجرهم وحطم ما لا يمكن حمله في عملية فرهود كبرى شارك فيها الكثير من سكان بغداد .

وبعد هذه الحوادث امتد الفرهود واخذ يطال حتى دور المسلمين ولم يتوقف الا بعد ان عاد الوصي الى بغداد واصدر امرا الى قوات الشرطة وبعض قوات الجيش باطلاق النار على جموع المفرهدين . حدث كل ذلك بتلذذ عجيب وغريب من قبل جموع المفرهدين , وكانت تلك الجموع تعود من الفرهود حاملة ما استطاعت حمله من غنائم تردد اهازيج مختلفة من بينها :

"الله اشحلو الفرهود يا أسلام يا ريته يعود كل سنة وكل عام"
"شحلو الفرهود كون يصير يومية"
"هذا اليوم اللجنة انريده"

قد يبدوا الطابع العام لهذه الحادثة وطنيا , وكان يمكن ان يكون كذلك لو اقتصر على عملية تأديب فقط (لا ترتقي الى حد القتل) لكل من تشفى بهزيمة الجيش العراقي . لكن تطور الحوادث بالشكل الذي حصلت فيه اخرجها بالتأكيد من اي صبغة وطنية . ومن الملفت للنظر ان القوات البريطانية التي تقدمت الى بغداد بعد معركة الحبانية ظلت خارجها طيلة اليوم الاول من الفرهود . وفي اليوم الثاني تقدمت وعسكرت قرب السفارة البريطانية ولم تحرك ساكن رغم سماعها لصراخ واستغاثات الناس على الجانب الاخر من النهر , لكنها لم تفعل شيئا لايقاف تلك الاحداث مما يثير علامات استفهام كبيرة وكثيرة .

2- الفرهود الثاني لليهود : حدث هذا الفرهود عام 1951 في أيام وزارة نوري السعيد حين سنت حكومته في آذار من ذلك العام قانون تجميد أموال اليهود الذين اسقطت عنهم الجنسية العراقية والاستيلاء على ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة . ففي هذا الفرهود الثاني قام الناس مرة اخرى باستباحة بيوت وأموال اليهود الذين جرى تهجيرهم من العراق بحملة منظمة . وعلى ضوء هذا القانون "الفرهودي" الذي سنته الحكومة سارعت عامة الشعب الى سرقة أثاث اليهود وفرشهم وحليهم الذهبية والفضية واحتلال وفرهدة بيوتهم المهجورة وحوانيتهم ومخازنهم العامرة بالسلع المختلفة التي استودعوها في الخانات المنتشرة في أسوق بغداد وفي جميع أنحاء العراق . وشمل الفرهود مكتبات واثاث المدارس والنوادي اليهودية وبيوت أغنياء اليهود من دور وفيلل التي بقيت ممتلئة بأثاثها وتحفها بعد ان غادرها اصحابها لا يحملون غير شنطهم وقد سلموا مفاتيح دورهم الى جيرانهم وهو يبكون وينتحبون على ما تركوه ورائهم .

3- فرهود تهجير الشيعة من التبعية الايرانية : هذا الفرهود كانت بطلته الدولة نفسها وليس العامة كما حصل بالفرهودين السابقين . فبعد احداث الجامعة المستنصرية عام 1980 صدر قرار بتهجير الشيعة العراقيين من ذوي التبعية الايرانية . وقد جرى تنفيذ هذا القرار بسرعة حيث هجر الالوف من هؤلاء , خصوصا من الكرد الفيلين الذي كانوا يسكنون بغداد والقي بهم على الحدود العراقية الايرانية وقد تركوا ورائهم دورهم واثاثهم وكل ممتلكاتهم . وبخلاف قانون تجميد اموال اليهود الذي سنه نوري السعيد والذي تم بموجبه السيطرة على املاك اليهود من قبل الدولة من دون التصرف بها , نجد ان هذا االفرهود قد تعدى عملية السيطرة الى التصرف الفعلي بالاموال المصادرة . فلقد تم بيع قسم من الدور والاراضي الى الناس , كما جرى تهديم البعض الاخر وبناء اشياء اخرى في محلها . اما الاثاث والمقتنيات فقد وزعت على افراد معينين بكيفية مارستها الدولة بطريقة خاصة .

4- فرهود احتلال دولة الكويت : حدث هذا الفرهود في عام 1990 بعد احتلال الكويت في اب من ذلك العام . وقد شهد هذا الفرهود مرحلتين . المرحلة الاولى قامت بها الدولة عن طريق حملة منظمة جرى فيها تفكيك البنية الاساسية للكويت ونقل كل ما يمكن نقله الى داخل العراق دون التعرض للمتلكات الخاصة التي تعود للمواطنين . اما المرحلة الثانية فقد شملت قيام جموع من الناس ممن سمحت لهم الدولة بالدخول الى الكويت بالاغارة على بعض الممتلكات العامة كالفنادق والنوادي والسينمات , انتقلوا بعدها الى ممتلكات المواطنين الخاصة من اثاث دور وتجهيزات مخازن وسيارات وكل ما يمكن نقله وحمله , حيث نقلوها الى داخل العراق وباعوها للناس .

5- فرهود انتفاضة عام 1991 : بعد خروج القوات العراقية من الكويت اثر حرب عام 1991 حدثت انتفاضتين شعبيتين واحدة في محافظات الجنوب والوسط قام بها العراقيين العرب الشيعة , والثانية في الشمال قام بها العراقيين الكرد . وفي كلا الانتفاضتين حصل فرهود عام وشامل خلالهما استبيحت فيه كل ممتلكات الدولة في المنطقتين من مؤسسات ومصانع وشركات ومخازن ومستودعات وغيرها . ولم تنجوا من اعمال السلب والنهب حتى دور المواطنين ممن كانوا موالين للدولة وجرى قتلهم وتصفيتهم , او ممن هربوا من تلك المناطق للنجاة بحياتهم . وقد جرى تهريب معظم الممتلكات المسروقة الى دول مجاورة للعراق .

6- فرهود حرب (الحواسم) عام 2003 : يعد هذا الفرهود اشمل واوسع فرهود عام حصل في التاريخ على الاطلاق . فبعد احتلال العراق من قبل اميركا وغياب الدولة والشرطة والجيش عن السلطة والساحة هبت جموع الناس في حملات عشوائية ومنظمة قامت فيها بسرقة عامة جرى فيها تفكيك البنية التحتية للدولة بطرق جرى التحضير والاعداد لها مسبقا . كانت الشاحنات تصطف قرب المصانع والمؤسسات ويقوم اناس معدين لهذا الغرض مسبقا باعمال التفكيك والتحميل ومن ثم النقل الى خارج البلد . وكان اكبر نصيب من هذه السرقات قد تلقاه الجيش العراقي , فقد جرى نقل كميات هائلة من السلاح والعتاد شملت الدبابات والمدافع والطائرات والصواريخ والاسلحة المتوسطة والخفيفة وغيرها , نقل بعضها الى اقليم كردستان بينما نقل البعض الاخر الى خارج العراق . وقد قدرت خسائر المؤسسة العسكرية العراقية لوحدها بحوالي مئتي مليار دولار , اما خسائر الدولة ككل فقد بلغ عدة مئات من مليارات الدولارات . لكن اكبر واخطر سرقة حصلت هي تلك التي جرت للمتاحف العراقية والتي سرق فيها من اثار وكنوز البلد ما لا يمكن تقدير قيمته ابدا . اما الاشياء التي لا يمكن سرقتها فقد جرى تحطيمها وتدميرها بالكامل او حرقها , حتى تحولت الكثير من ابنية البلد العامرة الى مجرد هياكل محترقة . استمرت هذه الحملة لعدة اسابيع ولم تتوقف الا بعد ان لم يتبقى شيء يمكن سرقته .ومن الملفت للنظر ايضا ان القوات الاميركية المحتلة لم تتدخل مطلقا لايقاف عمليات السرقة والنهب وتصرفت وكأن الامر لا يعنيها . وحين سأل احد قادة هذه القوات عن سبب عدم تدخلهم قال نحن لسنا قوات شرطة لذلك لم نتدخل بالامر .

وعدى هذه الاستباحات العامة الكبرى فقد حصلت استباحات اخرى اصغر حدثت في اوقات متفرقة قامت بها الدولة والعامة على السواء . فلقد حصلت بعض الاستباحات للمدن والقرى الكردية اثناء العمليات العسكرية في شمال العراق . كما حصلت استباحة مماثلة لمدينة المحمرة (خرمشهر) بعد احتلالها من قبل الجيش العراقي عام 1980 . وبعد ثورة 14 تموز عام 1958 هجمت بعض الجموع على القصور الملكية ودور بعض المسؤولين في الدولة وجرى نهبها وتحطيمها . وفي عام 1959 هجم بعض الناس على دور بعض قادة الحزب الاسلامي في بغداد وجرى نهب محتوياتها . وقد حصل ذات الامر في الموصل وكركوك في نفس العام اثناء اعمال العنف التي حصلت في تلك المدينتين والتي راح ضحيتها العشرات من الناس .

يتضح مما جاء اعلاه بان استباحة الاموال العامة والخاصة هو ثقافة شائعة بالعراق تمارسه العامة من وقت لاخر كلما سنحت الفرصة لذلك , وقد اكتسبته الدولة من الناس حتى اصبحت هي تمارسه ايضا في بعض المناسبات . وتعود هذه الظاهرة الى الطبيعة البدوية للمجتمع العراق المبنية على فكرة (الغزو) والاستيلاء على ممتلكات الغير بالقوة . ويعني هذا بان العراقي لم يتخلص من طبيعته البدوية بالرغم من عيشه في مجتمعات حضرية لمئات السنين , وهذا ما اكدته الكثير من الدراسات الاجتماعية . وقد حاول بعض المفكرين الادعاء بان هذه الظاهرة هي ظاهرة عربية وليست عراقية بدليل ما حصل في تونس ومصر خلال ثورتيهما في عام 2011 . يمكن ان يكون هذا صحيحا الى حد ما لكنه يمثل جزء من الحقيقة وليس كلها بسبب مستوى ما حصل في العراق مقارنة بما حصل في دول عربية اخرى . ففي تونس ومصر مثلا جرى فعلا تحطيم بعض المحلات التجارية وسرقة محتوياتها وحصل ايضا بعض التدمير كتحطيم بعض السيارات وحرقها بالشوارع . لكن ما حصل بالعراق , خصوصا في فرهود عام 2003 ليس له نظير على الاطلاق . فلو نظرنا الى مستوى السرقات التي حصلت واعمال التدمير والحرق لوجدنا بانها ازالت دولة كاملة وكل ما بنته خلال ثمانين عاما من الوجود وتركتها خواء , ولادركنا حقيقة بانها كانت اكبر استباحة عامة حصلت بالتاريخ .

التعديل الأخير تم بواسطة وسام الشالجي ; 07-30-2012 الساعة 05:02 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 09:49 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
.:: تركيب وتطوير فريق عمل منتديات وحي بلقيس ::.